يعمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تطبيق وعوده الانتخابية بإنهاء الحروب المشتعلة حول العالم ومنع اندلاع حرب عالمية ثالثة وفرض "السلام من خلال القوّة". لكن جهوده بإطفاء الحرائق المتفرّقة لم تتكلّل بعد بالنجاح، باستثناء مساهمته بـ "تبريد" الجبهة الهندية - الباكستانية، حتى أن بعضها يواجه تعثراً ستكون تداعيات بلوغه مرحلة العجز باهظة الثمن. القضايا العالقة من أوكرانيا مروراً بكلّ النزاعات والصراعات والملفات الشائكة ذات "الثقل الاستراتيجي"، وصولاً إلى الشرق الأوسط وحروبه ومعضلاته، ليست بسيطة إطلاقاً، بل هي أكثر صعوبة وتعقيداً بكثير مِمّا كان يظن "رجل الصفقات" بطبيعة الحال. صحيح أن الرئيس الجمهوري لا يملك عصاً سحرية لتضع كافة الحروب أوزارها بلمح البصر، بيد أن العالم لا يحتمل فشل جهود ترامب لوضع حدّ للحروب ومنع اندلاع أخرى، لأن الاخفاق يعني تمديداً للمآسي وتمهيداً لكارثة كبرى.
يُحاول ترامب منذ ما قبل تسلّمه مفاتيح البيت الأبيض "إسكات المدافع"، وساعد بتسهيل إبرام وقف للنار في غزة قبل جلوسه في المكتب البيضوي، إلّا أن الهدنة في القطاع المفكّك الأوصال انهارت في 18 آذار الماضي ولا تزال. المحادثات النووية بين واشنطن وطهران تتقدّم بحذر وسط "حقل ألغام"، إذ تواجه عقبات ليس يسيراً تخطّيها، بيد أن تذليلها ولو بشق الأنفس، بنظر ترامب، يبقى أكثر حكمة من الارتكان إلى "الخيار العسكري"، الذي تتمسّك به إسرائيل. أمّا الغزو الروسي لأوكرانيا فلم يتوقف، والظاهر أن صبر ترامب بدأ ينفد من نظيره الروسي فلاديمير بوتين، ما قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من العقوبات الأميركية ضدّ موسكو.
الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني من أكثر المسائل المستعصية على وجه المعمورة التي تزداد اختلالاً واهتياجاً. قد ينجح الوسطاء بالتوصّل إلى هدنة في غزة بالمدى المنظور، لكن هل تصمد وكم من الوقت؟ وماذا عن "اليوم التالي" بعد الحرب؟ هل سيبقى الغزيون داخل القطاع ومن سيحكم الجيب الذي يزعج إسرائيل وتريد إيجاد "حلّ نهائي" له؟ من الواضح أن القيادة الإسرائيلية تجهد لإعادة توطين الغزيين في أماكن أخرى حول العالم وتبذل مساعي حثيثة لتأمينها، مهما كلّفها الأمر. ولا يُمكن إغفال الخطط الإسرائيلية لـ "يهودا والسامرة" (الضفة الغربية) وأورشليم (القدس)، التي تعتبر مناطقها "أكثر قدسية" عند اليهود من صحراء النقب على سبيل المثال لا الحصر.
باسم هذا الصراع على الأرض ذي البعد الديني الفاقع، أُزهقت أرواح كثيرة عبر التاريخ، ولا يلوح في الأفق أي حلّ جوهري يؤمّن سلاماً عادلاً ودائماً وشاملاً. وهذا بحدّ ذاته مصدر قلق بالغ، فكيف الحال بعدم التمكّن ولو بإنهاء حرب غزة؟ جهود إدارة ترامب المتزامنة مع تصعيد لافت في المواقف الأوروبّية ضدّ تل أبيب التي ترتفع فرص استكمالها بقرارات عقابية، تتضاعف لتحقيق وقف للنار، إنما عروض الوسطاء ما زالت تعرقلها الشروط الإسرائيلية وتلك الحمساوية المضادة حتى كتابة هذه السطور. المحاولات الأميركية ستستمرّ، أقلّه حتى تتبدّل أولويات واشنطن، لأن لا تقدّم على خطّ توسيع نادي دول "اتفاقات أبراهام" إلّا بطيّ صفحة الحرب المفجعة في غزة.
يظهر أن إدارة ترامب بدأت تحقّق "خرقاً مقبولاً" في الملف النووي الإيراني. أميركا ما زالت تكثف حملة "الضغوط القصوى" بالتوازي مع المفاوضات بوساطة عُمانية، بينما تدرك طهران عواقب انهيار المحادثات النووية، لذا تقدّم تنازلات دورية لتيسير عملية التفاوض من دون التخلّي بشكل كامل ونهائي عن "خطّها الأحمر" المتمثل بقدرتها على تخصيب اليورانيوم. أميركا وإيران تترقبان "الجولة السادسة" التي قد تكون "شبه حاسمة" في تحديد المسار الذي يوصل إلى إبرام اتفاق نووي جديد أكثر تقييداً لبرنامج طهران النووي من ذاك المبرم عام 2015.
كلّ الاحتمالات تبقى واردة، إلّا أن مسقط قد تفلح باقتراحاتها المبتكرة بتحقيق انفراجة تضع "حجر الزاوية" لصفقة طال انتظارها، تفرمل "الاندفاعة النووية" الإيرانية وترفع سيف "الضغوط القصوى" عن رقبة نظام الملالي المتوجّس من الشارع الإيراني. أمّا بديل الاتفاق أو "الاتفاق الموَقت" الذي سيُثير حفيظة تل أبيب و"الصقور" في الغرب، فهو "الخيار العسكري" الذي سيُشرّع "أبواب الجحيم" على المنطقة بأسرها.
وبالانتقال إلى أوكرانيا، حيث تدور الحرب الأكثر ضراوة في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لا يبدو أن بوتين على عجلة من أمره للسلام، بل يعمد على شراء الوقت بإظهار رغبة بالتفاوض، في وقت يدفع بقواته لتوسيع رقعة الأراضي المحتلّّة في شرق أوكرانيا وجنوبها، وإقامة "منطقة عازلة" في سومي، وضرب مدن أوكرانيا وقراها بموجات مرعبة من الطائرات المسيّرة والصواريخ. يؤكد الروس أنهم يخوضون "حرباً وجودية" في وجه توسّع حلف "الناتو" شرقاً بهدف احتواء "الدب الروسي". تُجيد موسكو عن خبرة كاملة الدسم، المراوغة والخداع بغية تحقيق أهدافها المرسومة. وهذا ما تفعله تماماً الآن، الأمر الذي سيدفع ترامب الغاضب من بوتين إلى زيادة الضغوط على موسكو بأشكال مختلفة، وسط تلويح روسي متجدّد بمخاطر اندلاع حرب عالمية ثالثة.
تبحث روسيا عن حلّ جذري للحرب، لا تقتصر مفاعيله على الداخل الأوكراني ووضعية جارتها ومصير القرم والمناطق الأربع فحسب، بل تطال توسّع "الناتو" نحو حدودها وحجم انتشاره، وأصول موسكو المجمّدة ومصالحها الاقتصادية والتجارية، فيما تطالب كييف بضمانات غربية موثوقة تحفظ أمنها واستقلالها مستقبلاً، فضلاً عن تحمّل روسيا مسؤوليّتها بإعادة الإعمار. في كلّ الأحوال، الحرب الروسية - الأوكرانية تجسّد خيبة فادحة للدبلوماسية ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، واستمرارها يُهدّد الأمنين الأوروبي والعالمي. أمّا معالجتها فتتطلّب استنباط حلول مبدعة لأزمة جيوسياسية وجيوثقافية ضاربة في أعماق التاريخ.
يتوجّس الخبراء من فشل الإدارة الأميركية في إيجاد الحلول اللازمة للملفات الآنفة الذكر، ما سيُشجّع دولاً مارقة أخرى على اتخاذ خطوات تُهدّد الاستقرار الإقليمي في ساحات تعتبر هادئة حالياً، وحتى السلام العالمي، علماً أن بعض الخبراء يجزمون بأن "الحسم"، ولو اتخذ شكلاً عسكرياً، على أن يكون "جراحياً وفعّالاً"، في ملفات محدّدة وظروف معيّنة، له "تبعات إيجابية" للجم أزمات أو صراعات أخرى ومنعها من التفجّر أو التمدّد.
لكن ماذا لو استغلّت الصين سيناريو استعار "الاضطراب الاستنزافي" في الشرق الأوسط أو أوروبا أو الإثنين معاً لمحاولة غزو تايوان؟ كما تُطرح أكثر من علامة استفهام حول شبه الجزيرة الكورية واحتمال تحوّل أيّ خطأ في الحسابات أو حادث أمني خطر إلى حرب قد تتدهور بسرعة إلى حافة "الهاوية النووية"، والأمر ذاته ينطبق على النزاعات الهندية - الباكستانية والهندية - الصينية وغيرها من "الميادين الخامدة" القابلة للاشتعال المفاجئ.
العالم يتغيّر بسرعة فائقة وحال عدم اليقين تتعزّز وسط أجواء "الكباش التجاري" على الساحة الدولية. لا تحتمل البشرية في هذه اللحظات المفصلية الحرجة "انتكاسات دبلوماسية" متتالية تأخذ مفعول "تأثير الفراشة" أو "أحجار الدومينو"، ما قد يتسبّب بإضرام حريق عالمي يجعل المؤرّخين يترحّمون على مآسي الحروب السابقة.