تتجه الأنظار من جديد إلى نوايا الكرملين وخططه العدوانية في أوكرانيا، وسط مؤشرات متزايدة على أن موسكو لا تزال متمسكة بمشروعها الإمبريالي الرامي إلى السيطرة الكاملة على أربع مقاطعات أوكرانية هي لوهانسك ودونيتسك وزابوريجيزيا وخيرسون.
هذه المناطق، التي تُعد ذات أهمية استراتيجية واقتصادية بالغة، تقع اليوم في صلب الحسابات العسكرية الروسية، باعتبارها بوابة لفرض وقائع جغرافية جديدة بالقوة. لكن على الرغم من التصريحات الصاخبة والرغبة الجامحة في التوسع، فإن روسيا تواجه واقعًا أكثر تعقيدًا بكثير.
لقد أنهك الاقتصاد الروسي بسبب العقوبات الغربية المتتالية، وتقلّصت احتياطاته من النقد الأجنبي، وتراجعت قدرته على استيراد التكنولوجيا المتطورة اللازمة لتحديث قدراته العسكرية.
تقارير الاستخبارات الغربية تشير إلى أن 80% من المعدات التي تستخدمها القوات المسلحة الروسية تعود إلى الحقبة السوفييتية أو تُعد متقادمة بشكل كبير، في حين لا تمثل الأسلحة الحديثة سوى 20% من ترسانتها. هذا العجز الهيكلي في البنية العسكرية يجعل من الخطط الروسية الطموحة مجرد استعراض إرهابي، أكثر منه استراتيجية حرب قابلة للتنفيذ.
في ظل هذه المعادلة المختلة، يبدو واضحًا أن مواصلة الضغط بالعقوبات الاقتصادية، التي تحرم روسيا من المال والتكنولوجيا، هو السبيل الأكثر فعالية لتجريد موسكو من قدرتها على مواصلة العدوان، ودفعها نحو الاعتراف بحتمية التسوية السياسية.
وفي المقابل، تسير أوكرانيا على طريق معاكس تمامًا، حيث تبني قدرتها الدفاعية الوطنية من الصفر، وتسعى إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجي في صناعة السلاح. لقد أصبحت صناعة الدفاع الأوكرانية العمود الفقري لمقاومة الغزو، ووسيلة لتحويل الدولة من متلقٍ للدعم إلى منتج لقدراتها القتالية. تركز كييف اليوم على إنتاج الطائرات المسيّرة التي أثبتت فاعليتها في ميدان المعركة، إلى جانب صواريخ كروز والصواريخ الباليستية القادرة على ضرب الأهداف الحيوية في عمق خطوط العدو.
وأدركت القيادة السياسية الأوكرانية أن مستقبل المعركة لا يُبنى فقط على الدعم الخارجي، بل على السيادة التكنولوجية والاستقلال التصنيعي.
وقد أصدر الرئيس فولوديمير زيلينسكي تعليمات واضحة بزيادة إنتاج الطائرات الاعتراضية المسيّرة، كما تم تخصيص تمويل خاص لتسريع وتيرة تطوير برنامج الصواريخ الباليستية.
النتائج بدأت تظهر سريعًا: ففي غضون ثلاث سنوات فقط، ارتفع الإنتاج الدفاعي الأوكراني من مليار دولار إلى 35 مليار دولار، ما يعكس حجم القفزة النوعية في القدرة الصناعية الأوكرانية.
ومع ذلك، فإن هذا القطاع لا يزال يحمل إمكانات غير مستثمرة بالكامل، ويحتاج إلى دعم مستمر وتوسيع في خطوط الإنتاج، وتعاون مع شركات الدفاع الغربية.
فمنتجات الصناعات الدفاعية الأوكرانية ليست فقط سلاحاً في المعركة، بل هي ضمانة استراتيجية للأمن القومي الأوكراني على المدى الطويل، ورسالة واضحة بأن أوكرانيا لن تكون أبدًا ضحية سهلة للعدوان.
وسط هذا التحول في القدرات الأوكرانية، برز دور أوروبي حاسم في الدفع نحو تغيير الموقف الأمريكي بشأن نوعية الأسلحة المقدمة لأوكرانيا.
فقد مارست دول مثل فرنسا، وبشكل خاص بريطانيا، ضغوطًا دبلوماسية متواصلة على واشنطن من أجل الموافقة على تزويد كييف بأنظمة تسليح أكثر تطورًا تتجاوز الدعم التقليدي، وهو ما أثمر تدريجيًا عن موافقات أمريكية على إرسال صواريخ بعيدة المدى ودبابات متطورة وأنظمة دفاع جوي استراتيجية.
إلا أن التحول الأبرز جاء من برلين، حيث غيّرت ألمانيا موقفها التاريخي الحذر تجاه تسليح أوكرانيا، وقررت الانخراط بشكل أوسع في دعم الجهد الدفاعي الأوكراني. هذه النقلة النوعية في السياسة الألمانية لم تقتصر على المساعدات المالية أو اللوجستية، بل شملت توريد دبابات "ليوبارد 2" ومنظومات الدفاع الجوي "إيريس-تي"، في خطوة رمزية وعملية تعبّر عن قناعة متنامية في أوروبا بأن الدفاع عن أوكرانيا هو في جوهره دفاع عن القارة بأكملها. لقد باتت العواصم الأوروبية تدرك أن ترك أوكرانيا تنهار أمام العدوان الروسي يعني فتح الباب أمام اختلال عميق في ميزان الأمن الإقليمي، وربما انهيار النظام الدولي القائم على احترام الحدود والسيادة الوطنية.
لكن في الوقت الذي تسعى فيه أوكرانيا لتأمين نفسها وتطوير وسائل دفاعها، تستمر روسيا في تكثيف ضرباتها الجوية ضد المدن الأوكرانية، متجاهلةً تمامًا أي دعوات دولية لوقف التصعيد أو الدخول في مفاوضات جدية. هذه الهجمات، التي تستهدف البنى التحتية المدنية وتُسقط الضحايا الأبرياء، لا تمتلك أي جدوى عسكرية حقيقية، بل تُنفذ لتحقيق أهداف سياسية محضة: إنها محاولات متعمدة لتقويض الروح المعنوية للأوكرانيين، وبثّ الخوف والشلل داخل المجتمع، على أمل أن ترضخ كييف للإرهاب وتقبل بشروط المنتصر الزائف.
بهذا السلوك، تسخر موسكو علنًا من القانون الدولي، وتحوّل الحرب إلى وسيلة لتصفية الكرامة الوطنية لشعب بأكمله. إن مواصلة هذه الجرائم يُعد مؤشرًا قاطعًا على أن الكرملين غير معني بأي حل سياسي حقيقي، بل يسعى إلى فرض "سلام الإكراه"، حيث تُقايض الجثث بالاستقرار.
من هنا، فإن الرد لا يمكن أن يكون بالمناشدات أو الوساطات الرمزية، بل عبر تصعيد الضغط الاستراتيجي على موسكو في ميدانين حاسمين: العقوبات الاقتصادية التي تُفرغ خزائن الكرملين وتجعل من تمويل الحرب عبئًا داخليًا غير قابل للاستمرار، والدعم العسكري والمالي النوعي لأوكرانيا، بما يسمح لها بتكبيد روسيا خسائر متتالية في الميدان، ويدفعها إلى التفكير في كلفة الحرب لا في أرباحها الوهمية.
وحده الضغط المتعدد الأوجه، الاقتصادي والعسكري والسياسي، قادر على إجبار موسكو على الانصياع للواقع، والقبول بحل لا يقوم على الأنقاض والدم، بل على احترام سيادة الدول وحقوق الشعوب.