نديم البستاني

ليس حباً بالمناصفة بل كرهاً بالفدرالية – أبعد من مأساة بلدية بيروت (الجزء الثاني)

5 دقائق للقراءة

لا حجة تضاهي حجج جبران تويني، ابن العائلة البيروتية المتجذرة وسليل "النهار" العريقة، ومن أفضل منه ليخبرنا عن الرؤية والحل من أجل صناعة المستقبل المزدهر في مدينته ومسقط رأسه، إذ هو قد دعا بشكل واضح وصريح، من دون أي خجل أو مواربة إلى تقسيم بلدية بيروت إلى دوائر عدة بما يماثل بلدية باريس، احتراماً للتعددية الطوائفية، كي لا يصادر قرار الأقلية المسيحية في بيروت بواسطة الأكثرية المسلمة، علماً أن المناصفة في بلدية بيروت كان قد كرسها رفيق الحريري بعهد شخصي منه، إنما تم رفض تكريس ذلك بالقانون، وها هي النتائج تصدر اليوم وقد فاز 13 عضواً مسلماً مقابل 11 عضواً مسيحياً، والمسألة سيتم تجاوزها وكأن شيئاً لم يكن، تماماً كما هي حال بلدية طرابلس حيث انتفى منها الوجود المسيحي حالياً من دون أن يأبه أحد بالأمر.

إن الدافع الباطني لدى دعاة عدم التشطيب ليس الحفاظ على المناصفة رغم صوريتها بحدّ ذاتها، بقدر الحذر من عدم استثارة العصبية المسيحية للمطالبة المباشرة بالفدرالية بدءاً من العاصمة، وهو أمر يحمل دلالات يصعب تقبلها، إذ من المهين للمركزية أن يحنث بها أهل المركز أنفسهم. وبالمنطق ذاته الموازي لما حصل في العاصمة يخشى أن يفتح ذلك باباً إضافياً لانزلاق المعايير في شتى مجالات تشكيل السلطة، ولا سيما من خلال التشكيك بصوابية الموقف الرافض لاعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة خارج القيد الطائفي، إذ طالما أن ذلك مقبول ضمن انتخابات بلدية بيروت، فما المانع إذاً من تعميمه على مفاصل النظام السياسي كافة. إلا أنه بحسب منظومة حقوق الإنسان فإن معيار "المقياس المنزلق" (slippery scale)، هو مفهوم يدلل على خطر القبول بما هو أقل ولو بقيد أنملة عن المعيار الأمثل، الذي يعكس الحق والعدالة والكرامة الإنسانية، حيث أن ذلك سيؤدّي في نهاية المطاف إلى أن ينزلق المعيار رويداً رويداً حتى يبلغ الحضيض. وبالتالي إن المناصفة التي تقوم اليوم على الضمانة الشخصية، ستكسر في الغد عند تبدل الأشخاص، بينما المعيار الحقوقي لا يمكن أن يركن لتكريس الحماية إلا بموجب التشريع القانوني الثابت. بناء عليه، تنذر التجربة أنه في الدورات البلدية القادمة، لا محالة سيتقلص عدد الأعضاء المسيحيين في بلدية بيروت أكثر وأكثر إلى أن يختفوا كلياً. وحينها سيكون قد فات الأوات ولن يذرف أحد دمعة عليهم ولا سيما من يغالون اليوم بالمناصفة الشكلية.

لرؤية الصورة كاملة يجب العودة قليلاً في الزمن إلى الوراء حين كان رؤساء الحكومات يهابون النفوذ الكبير الذي يتمتع به رئيس بلدية بيروت، وهي المدينة ذات الثقل السني الأكبر، إذ يخوله هذا المنصب تكوين زعامة تضاهيهم إن لم تكن تنذر بتخطيهم. لكن صائب سلام لم يكن تعوزه الحنكة، فعمل على توسيع صلاحيات المحافظ المنتسب إلى الطائفة الأرثوذكسية على حساب رئيس البلدية، لا سيما أن تلك الطائفة كانت حليفة مع الجو السني والعروبي، وبذلك يحجّم رئيس البلدية من دون أن تخرج السلطة التنفيذية في بيروت من لدن الحضن السني. إلا أن هذه الظروف قد تغيرت، خاصة بعد معاناة الروم من التقتيل والتهجير والاضطهاد في خضم الحرب الأهلية على أساس هويتهم الدينية، من دون أن يشفع لهم إنتماؤهم السياسي الأقرب إلى اليسار، ولا تطلعاتهم العروبية المحابية للمسلمين. كان سقوط الاتحاد السوفياتي الحدث المفصلي الذي استتبع تخاوي الأحلام الأمبراطورية التي كانت تشد العصبية الأرثوذكسية السياسية لمناقضة الموارنة، فوجد الروم أنفسهم في الخندق ذاته مع سائر المسيحيين، وقد جاء رئيس الجمهورية إميل لحود ليعطي منصب المحافظ بعداً جديداً من الألق والسلطة أتت لتضاف في الشخصية الأرثوذكسية. ومذاك نشأ وعي جماعي لدى الشارع السني البيروتي برفضية حكم مدينتهم عبر المحافظ الأرثوذكسي المعين، والمحسوب بحسب العرف، على رئيس الجمهورية المسيحي. وفي المقابل انبرى الأرثوذكس خلال الجولة الانتخابية الحالية إلى التمسك أكثر من أي زمن مضى بمنصب المحافظ، ما حدا بالطرفين إلى ربط النزاع عبر اللجوء إلى حلّ متهافت قوامه الحفاظ على المناصفة الشكلية وتجميد ملف المحافظ، من دون أي رؤية إصلاحية في العمق، قوامها مثلاً تكريس رئاسة دائرة بيروت الشرقية من حصة الروم بالقانون، والغربية من حصة السنة، فتخرج السلطة من حالة التضارب والإدارة من حالة العقم. والدليل الأكبر أن التسوية الفوقية التي حكمت انتخابات بيروت لم تقدر على إزالة اعتمال العداوة في النفوس وتراكم الأحقاد، أن توجّه التشطيب ضد المرشح المحسوب على مطران بيروت للروم الأرثوذكس الياس عودة، بذاته، كرد واضح على التمسك بسلطة المحافظ.

كي نعي خطر الحلول الترويجية الهشة، ولا سيما انطلاقاً من بيروت، نستشهد بالدكتور إدمون رباط، العلّامة في القانون، وهو كان من كبار المنادين بالقومية العربية، إلا أنه انخرط في مراجعة ذاتية وبدّل مواقفه في الردح الأخير من حياته، حيث أعلن في حواشي كتابه "التكوين التاريخي للبنان السياسي والدستوري" أن الصيغة التوافقية هشة ولا تعكس الواقع، وأنه ما تم الحفاظ على الوجود المسيحي في بيروت الغربية إلا لدواعي الاستخدام السياسي والإعلامي من أصحاب الأمر الواقع، إلا أنه عندما تبدلت الموازين لم يعد هناك من داع للإبقاء على وجودهم، تم تهجير 200 ألف مسيحي مع حلول العام 1985، مما كرس تقسيم بيروت بين الشرقية والغربية، بما يحاكي ديناميات الواقع الحقيقي للمجتمع، حيث ليس بالمستغرب أن من تهجر وجد قدراً من الاندماج مع البيئة التي نزح إليها، بفعل وحدة الهوية الدينية، بخلاف الحال الصدامي مع البيئة الأهلية والسياسية في المناطق التي نزح منها. لذا يطرح الدكتور ربّاط من هذا المنطلق، واعتباراً من تجربة بيروت المريرة، ضرورة اعتماد الفدرالية كحل مرتجى لمعضلة الصيغة اللبنانية. فهل لنا أن نتعلم من التجربة، أم حكم علينا بتكرار عيش المآسي.


(*) محامٍ وباحث في مجال حقوق الإنسان والفدرالية