تواجه مدينة طرابلس أزمة نفايات متفاقمة نتاج سنوات طويلة من الإهمال وسوء الإدارة. فقد تحوّلت النفايات من مجرد مشكلة خدمية إلى تهديد بيئي وصحي مباشر، نتيجة غياب الحلول الجذرية والتخطيط البيئي السليم. واليوم، تقف المدينة أمام تحدٍ خطير ينذر بعواقب كارثية إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة وجدية.
ويقول الخبير البيئي الدكتور جلال حلواني في حديث لـ «نداء الوطن»: «مشكلة إدارة النفايات في طرابلس ليست وليدة البارحة، بل مشكلة مزمنة، وبالعودة الى الحرب الأهلية في لبنان، فقد نشأت مشكلة النفايات، وتم استحداث مكب عشوائي على ضفاف نهر أبو علي وكانت تلك هي الخطوة الأولى للتخلص من النفايات، واستمر هذا الأمر حتى نهاية عام 1993 عندما تم تشكيل البلدية على أيام العميد سامي منقارة، والعميد سمير شعراني، لكن لم يتغير الوضع أبداً. وفي عام 1997 تحديداً، حصلت عدة مشاكل، فالأرض التي تم اختيارها عشوائياً لتصبح مكباً لم تعد قادرة على الاستيعاب. ونشبت حرائق واندلعت الروائح الكريهة، وفي عام 1998 حصل حريق كبير تلته خطة طوارئ عام 1999 لتأهيل المكب العشوائي، على أن تكون الفترة القصوى خمس سنوات.
وتم تأهيله فعلاً على أساس أن تقوم البلدية مع نهاية عهد شعراني وبداية عهد رشيد جمالي بإيجاد حل، ولكن لم يتم ذلك، فتم تمديد العمل فيه لعام 2010، حيث تم تشكيل بلدية جديدة في عهد نادر غزال. وأيضاً فشلت البلدية في إيجاد الحل، إذ كان هناك عدة تجاذبات. وبالرغم من أن المكب وصل تقريباً إلى طاقته الاستيعابية القصوى، تم تمديد العمل فيه لسنة عام 2013، حيث تم طرح مشاريع بديلة، ولكن للأسف كانت هناك معارضة كبيرة لها، وبالتالي لم يكن هناك حل سوى تمديد عمر المكب حتى عام 2018، بالرغم من أنه آنذاك وصل لحالة حرجة».
يضيف حلواني: «وبالعودة لعام 2013، حصلت عدة مشاكل، منها تشقق حائط الدعم وانهيارات وتوقف عمل محطة البيو- غاز، ودخلنا بمرحلة حرجة في ما يتعلق بإدارة المكب، وكان الخوف الكبير من انهيار جبل النفايات كلياً. ومن هنا اتخذ مجلس الوزراء قراراً بوقف استقبال النفايات بالمكب القديم وأن يتم طمر مساحة في البحر أمام المكب الحالي، واستحداث ثلاث خلايا على مساحة 40 ألف متر مربع لتكون مطمراً صحياً بديلاً لمدة ثلاث سنوات».
تابع الحلواني: «عام 2019 حصلت الأزمة الاقتصادية في لبنان وتم التأخر ببناء المطمر الصحي. وخلال هذه الفترة أصبح هناك رمي عشوائي في المطمر المستحدث والذي بات مكباً أكثر منه مطمراً، إلى أن حدثت كارثة كبرى عام 2022 في المكب القديم، حيث نشب حريق استمر طوال النهار وتم إطفاؤه بصعوبة، وهذه كانت علامة سوداء في تاريخ المكب».
يشرح الحلواني بأن «المطمر الصحي البديل وما يسمى بالمطمر البحري، هو عبارة عن ثلاث خلايا كان من المفروض أن تعمل لمدة سنة لكل واحدة منها موَقتاً. بدأ العمل فيها عام 2019 على أن تنتهي في عام 2022، ولكن في 2022 لم يتوفر البديل، لهذا السبب تم تمديد العمل لثلاث سنوات أخرى حتى نهاية عام 2025 وبداية 2026».
وعن نفايات اتحاد بلديات الفيحاء أي طرابلس والبداوي والقلمون والميناء، يقول الحلواني إنها «وصلت يومياً إلى ما يعادل 350 طناً من النفايات. هذه الكمية ارتفعت إلى 400 طن يومياً وحتى أنها وصلت في إحدى السنوات إلى 425 طناً، خصوصاً في شهر رمضان، وبعد الأزمة الاقتصادية انخفضت الكمية إلى 350 طناً لتنخفض بعدها إلى 310 أطنان يومياً، أما حالياً فإننا نستقبل ما يعادل 350 إلى 400 طن يومياً».
ويرجع حلواني بالتاريخ إلى الوراء وتحديداً إلى عام 2017، حيث «تم طرح بديل لإدارة النفايات، وهذا الطرح كان يعتمد موضوع الفرز ثم المعالجة والتدوير وإعادة استعمالها، وذلك من خلال استقدام حوالى 400 طن يومياً لفرزها بطريقه حديثة، وتحويل النفايات العضوية إلى سماد ثم يتم فرز النفايات غير العضوية حسب نوعها، حيث يمكن تدوير البلاستيك والزجاج والكرتون، ويبقى هناك كمية قليلة من النفايات لا تزيد عن 15 % من الحجم الإجمالي للنفايات، يجب طمرها وهو ما يسمى بالنفايات الخامدة التي لا تشكل خطراً. هذا المقترح نال استحسان رئيس بلدية طرابلس أحمد قمر الدين حيث سافر إلى فرنسا وتم الاطلاع على المعمل الفرنسي، والاتفاق مع الشركة الفرنسية التي قدمت الطرح لبناء مركز جديد لإدارة النفايات، يعتمد نفس التقنية الفرنسية التي يتم استخدامها، وعندما جاءت الأزمة الاقتصادية، توقف كل شيء. ففي عهد الرئيس رياض يمق تم وقف المشروع، بالرغم من تحديد المكان، وإعداد التصاميم الأولية، ودراسة تقييم الأثر البيئي، وتم تأمين التمويل والذي يعد العامل الأهم، أي أن العناصر الأساسية لأي مشروع كانت متوفرة».
وأوضح حلواني أنه «تم تأمين التمويل من قبل منظمات ورجال أعمال في فرنسا إضافة إلى الدعم من صندوق دولي يساعد في المشاريع البيئية، وكان المتبقي هو فقط موافقة البلدية على هذا المشروع وتوقيع الاتفاقية لتبدأ الشركة الفرنسية عملها، لكن بعضاً من أعضاء المجلس البلدي كانوا ضد المشروع، ولم يكن لديهم طرحٌ بديل بل مجرد أقوال وأفكار وتمنيات، دون طرح جدي سواء من الناحية الهندسية، أو البيئية، أو المالية، لهذا السبب لم يتحقق أي شيء خلال السنوات الست الماضية، وبقي الأمر على ما هو عليه حيث تم التمديد للمطمر البحري لمده ثلاث سنوات. وعندما زارت وزيرة البيئة المطمر أكدت أنه يمكنه الاستمرار سنة واحدة فقط، وخلال هذه السنة إن لم يتم إيجاد البديل سيضطر مجلس الوزراء إلى تمديد العمل بالمطمر البحري الموَقت لثلاث سنوات أخرى».
يؤكد الحلواني أن «المشكلة الكبرى التي تتطلب إيجاد حل لموضوع النفايات هي الموقع البديل والتمويل، واليوم لدينا موقعان يمكنهما استقبال المركز الجديد لإدارة النفايات، يتبقى التمويل، ومن المعروف أن البلدية لا تمتلك المبلغ من أجل هذا المشروع حيث أن جميع الأموال التي كانت في المصارف تبخرت قيمتها مع حلول الأزمة الاقتصادية. والحل الثاني هو عن طريق هبة مثل البنك الدولي أو البنك الأوروبي أو الصندوق الكويتي، وهذا يحتاج إلى مباحثات على مستوى عالٍ بين رئاسة الحكومة والهيئة الواهبة. أما الحل الثالث فهو عن طريق القطاع الخاص حيث تتم الاستعانة به لاستحداث المركز».
ويختم حلواني حديثه قائلاً إن الفترة المقررة للانتخابات البلدية انتهت، ووفقاً للقوانين الحديثة التي أُقرت مؤخراً من سنة 2018 وحتى السنة الماضية، أصبح هناك إخضاع وإرغام للبلديات على إدارة النفايات بشكل مستدام، وبالتالي فإن جميع البلديات مدعوة ومطالبة بأن تدير نفاياتها على صعيد القضاء أو صعيد المدينة كبيروت، وإلا فستتم ملاحقة تلك البلديات قانونياً، فمن غير المسموح أن تقوم بلديات قرب طرابلس بإلقاء نفاياتها في أماكن مهجورة في طرابلس، سواء كانت خلف الجامعة العربية في الميناء، أو في زيتون طرابلس في أبي سمراء، أو في القبة وغيرها من المناطق كمداخل المدينة. كما أن بلدية طرابلس مطالبة بمراقبة ذلك وتسيير دوريات وتركيب كاميرات مراقبة لوقف هذه الممارسات اللاأخلاقية».
ما يجري اليوم في طرابلس ليس مجرّد خلل إداري، بل جريمة بيئية وصحية، واستمرار طمر النفايات دون فرز، وتكديسها في خلايا تجاوزت طاقتها، يعني ببساطة أن المدينة تقف على حافة كارثة صحية قد تنفجر في أي لحظة، مما يوجب إطلاق إنذار بيئي عاجل يضع الحل المستدام على رأس أولويات المرحلة، قبل أن يُصبح هواء المدينة وسكانها وقوداً لانفجار بيئي لا تُحمد عقباه.