يُعالج الكاتب علي سبيتي في كتابه "رسول الشاه وشيعة السفارة"، أزمة الشيعة في المعارضة والسلطة والمقاومة، منذ نشأة الشيعية السياسية التي أسّس لها كلّ من الأئمة موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله، في سياقات مختلفة ومتباعدة في جدليّة العلاقة مع الدولة الوطنية والمواطنة، من خلال التأصيل السياسي والفقهي لشرعية السلطة من عدمها، في ظل صراع شيعي-شيعي حول الهوية الوطنية، كانت طليعته حرب ضروس، ومن ثمّ مساكنة غير شرعية بين "حزب اللّه" و "حركة أمل"، أتاحت قيمومة لـ "الحزب" على "الحركة"، ومن ثمّ وصاية دائمة لإيران التي عقدت عقد الزواج بين الطرفين، والتي استولت على الميراث الشيعي بكل محمولاته، في ظل تسليم شيعي أكثري، ومعارضة شيعية خجولة، وغير مقنعة حتى الآن.
هذا الكتاب الصادر عن "دار سائر المشرق"، منذ أيام، سيسيل الكثير من الحبر. هنا فصلٌ منه.
مكّنت إيران "حزب الله" من أن يكون كياناً صامداً لا شريك له في الطائفة الشيعية، وجعلت من الآخرين مجرّد تابعين نتيجة لصحة مسارها في طريق الطائفة، وقد ساعدتها على فوزها فعال خصومها، وظروف إقليمية جعلت انتصار إيران حتميّاً، بعد أن جهدت "حركة أمل" في عدم الاستسلام لإيران. كما أنّ "المجلس الشيعي" رفع يده داعياً لإيران، بعد أن استحال عليها إبّان قيادة الشيخ محمد مهدي شمس الدين.
بعد موت الشيعيّة الإقطاعيّة، والشيعيّة اليسارية، ولدت شيعيّة سياسية بثلاث عمامات. كانت عمّة موسى الصدر بداية مشروع طائفي بديل عن المشروعَين اليساري والإقطاعي، وكانت عمّة شمس الدين تحمي مشروع الصدر بعد اختفائه، وتقوده على جبهات متعددة، وكانت عمّة فضل الله أكبر من طائفة، واتسعت لأمّة في مشروع إسلاموي مقاوم للمشروع الاستكباري الذي تقوده أميركا. رغم كون الصدر فارسيّاً لم يتبنَّ الخطاب الثّوري، ولا الدعوة إلى دولة إسلاميّة، وكانت علاقته بالثورة الإيرانيّة مرتبطة بالنهج السلمي التسووي للمرحلة الانتقالية.
في البداية، لم يبايع الشيخ محمد مهدي شمس الدين "الثورة الإيرانيّة" مبايعة التزام، بقدر ما عبّر عن تعاطف شيعي مع مشروع شيعي-إسلامي، ومرّت علاقته بالدولة الإيرانية بمحطّات كثيرة، أكثرها غير ودّي، وسجاليّ، ومن ثمّ خلافيّ، وصل إلى حدّ الطلاق الرسمي مع إيران، وقد أخذ مواقف جريئة منها، وكتب ما ينفي "ولاية الفقيه"، وما يؤكد ولاية الأمّة على نفسها.
مات ولم يستسلم لمشروع إيران في لبنان، وبقي مقاتلاً له بعد مماته، من خلال اعتماد المعارضِين الجُدُد على مواقف شمس الدين في مواجهتهم لإيران.
فضل الله وإيران
على خلاف الإمامَين الصدر وشمس الدين، لقد ساناها السيّد فضل الله، وأسناها، ولم يترك مجالاً لفراغ ما في علاقته مع إيران، منذ الثورة وحتى قيام الدولة.
جاءت مرجعيته كي تفتح عليه نار جهنم، ونتيجة لقوّة إيران، لم يكسب السيّد المعركة التي فُتحت عليه من قبل تلاميذه، ومن قبل مَن ربّاهم دينيّاً وسياسيّاً من جيل الدعوة، وما تفرّع عن حزب الدعوة من مسمّيات.
انتهى فضل الله على ما بدأ عليه من وعظ وتربية، وكانت الحملة ضدّه شرسة جدّاً، ولولا رصيده الشخصي، وحضور المؤسسات التي أنشأها، لما تمكّن من الصمود أمام ظلم ذوي الدعوة.
استولت إيران بحُسن سياستها أو بخبثها، على خيرات العمامات الثلاث، وعاد إليها ما أسّسته أهم الشخصيات الشيعية في الساحة الطائفيّة واللبنانيّة.
بعد موسى الصدر وشمس الدين وفضل الله، انقطع حبل سُرّة الطائفة، ولم تعد البطون مخصّبة لرجالات أمثالهم، وبدت الأدوار الأخرى أخف وزناً، وأقلّ شأناً، وقد تراجعت مستويات المعارضة الشيعية لأفراد غير متقابلين، وغير متجانسين، وغير متمكّنين ممّا تمكّن منه هؤلاء الكبار الثلاثة.
لقد سادت إيران من حيث ساد "الحزب" في طائفة شغفها حُبّاً البطل التاريخي، وهاجس القوّة، ومالت الطائفة مع إيران كيفما مالت. لذا نراها في تجربتها مجرّد طائفة منكبّة على هوى الواقع المسيطر، فتتزيّن بسلاحه، وتتمارى براياته، وهذا ما طفح به تاريخها المتعدد الولاءات. من بدايات المرحلة الإقطاعيّة، إلى "الحركة الوطنية" والمقاومة الفلسطينية، وصولاً للصدر و "حركة أمل"، وليس انتهاءً عند "حزب الله".
ساد "حزب الله" في الطائفة الشيعية بعد أن استقالت "حركة أمل" من معارضتها له، واكتفى نبيه بري بما وصل إليه، ولم يعد بحاجة إلى خصومة تكلّفه ما اكتسبه من مكاسب سياسية طيلة حرمانه السياسي. كما أنّ عمره بات عمر الحكمة السياسية. أيّ أنّه أخذ ما قاتل لأجله، ويريد المحافظة على ما في يده دون قتال. كما أنّ "حركة أمل" فقدت الكثير من الدماء التي كانت تجري في شرايينها، وما عادت قادرة على بذل المزيد منها، ولم تعد قدراتها المحدودة تلبّي شروط الحروب المطلوبة.
"الحزب" ومنطق القوّة
تُوّج "الحزب" زعيماً على الطائفة الشيعية، ولكنّ المعارضين لهذه الزعامة، أو من تبقّى منهم، يرون فيها مصادرة قهرية لا إرادية، لاستناد "الحزب" إلى سلاحه وأمواله، ولاستقوائه على الآخرين بمنطق القوّة وأدواتها، من تهوين، وتخوين، وتكفير، وما يوجب ذلك من أذى معنوي، وجسدي، وروحي.
يمكن تقسيم هؤلاء الخصوم ما بين شخصيّات شيعيّة يجمعها مع "الحركة" مشتركات كثيرة، من الولاء الوطني ببعده العربي، إلى الاحتماء بالمرجعية النجفية رفضاً منها لمرجعيّة الوليّ الفقيه، وشخصيات أخرى تجد دورها في خلاف "أمل-حزب الله"، لذلك تحفّز على تنشيط الخلاف بين "الثنائي"، كي تنفرج طائفة موضوعة بمرطبان ضغط وعاؤه "الحزب" وغطاؤه "الحركة".
شرعيّة الاختلاف
عندما أطلق "حزب الله" على هؤلاء الخصوم "شيعة السفارة"، ظننتُ أن "الحزب" ابتدع مصطلحاً جديداً، أو اختصّ خصومه بتهمة ثابتة على بعضهم، وغير ثابتة على بعضهم الآخر، بغية إفقادهم شرعية الاختلاف معه، ولتشويه صورة اعتراضية صُنعت على عين السفارة بغرض النيل من الطائفة الشيعية، لا بهدف الإصلاح السياسي في الطائفة الشيعية.
حتى "حركة أمل" ردّدت مع "حزب الله" ما وصف به خصومه الشيعيين، دون أن تبتدع صفة ملازمة لحركة الاعتراض عليها وعلى "حزب الله". بدت "الحركة" تابعة لـ "الحزب" حتى في الصفات والنعوت، إمّا لضعف فيها، أو لاعتماد كلّي على "الحزب" في كل شيء، من البابوج إلى الطربوش.
ما يهمّني هنا، هو أن بدعة السفارة، أو حقيقتها، هي تهمة طالت كل الأطراف الشيعية دون استثناء. لقد اتّهم الإقطاع الشيعي اليساريين بأنهم من "شيعة السفارات"، كما أن اليساريين اتّهموا الإقطاعيين بأنهم من "شيعة السفارة"، وعمد الإقطاعيون واليساريون على اتّهام موسى الصدر بأنّه من شيعة السفارة، وقد اتّهمت "حركة أمل" "حزب الله" بأنّه من "شيعة السفارة"، كما اتّهمت السيّد فضل الله بأنّه من "شيعة السفارة"، واتّهم "حزب الله" نبيه بري بأنّه من "شيعة السفارة"، واتّهم "الثنائي الشيعي" السيّد علي الأمين بأنّه من "شيعة السفارة"، كما أنّهما أتهما السيّدَين محمد حسن الأمين وهاني فحص بأنّهما من "شيعة السفارة". كما تمّ اتّهام الشيخ صبحي الطفيلي بأنّه من شيعة السفارة. حتى "فراطة المعارضة" اتّهموا بأنهم من "شيعة السفارة".
الطائفة بين التعدّدية والأحاديّة
هذه الصفة المشتركة والمستخدمة من قبل الجميع، تؤكد مدى صعوبة وجود تعدّدية سياسية، وغير سياسية في الطائفة الشيعية، ومدى التمسك بالأحادية السياسية، وبالقبضة الحديدية، وهنا تبرز فترة الإقطاع التقليدي كفترة متسامحة مع تعدّد العائلات الإقطاعيّة، بل كمساحة متعاونة لا تلغي أحداً بقدر ما تنافسه في مجال الخدمة.
حرص الإقطاعيون على تعدديتهم داخل الطائفة الشيعية، وكانت العائلات الإقطاعية الصغيرة تتمتع بتمثيل سياسي ونيابي، وهذا ما جعل أقطاب العائلات داخل السلطة في الطائفة، وفي الدولة.
كراهيّة الشراكة
ثمّة إيجابية إقطاعية يمكن البحث فيها عن إيجابيات أخرى في تجاربها، مقارنة مع تجربتَي اليسار و "الثنائي الشيعي"، إذ لم تُحسن أحزاب "الحركة الوطنيّة" التعامل مع الواقع التعدّدي في مناطق نفوذها، بل مالت كلّ الميل نحو تكريس أحاديّة حزبيّة، ولو بقوّة البندقية التي استخدمتها في كثير من معارك الإلغاء. كما أنّ "الثنائي الشيعي" امتحنا بعضهما في معارك متعدّدة الإلغاء، ولم يتمكّنا من مغالبة بعضهما، واجتمعا على كراهية في الشراكة.
ربما التأثّر بالتراث السياسي، صنع لنا لزوم العداوة مع أيّ شريك يدّعي شراكة في وجود ودَور، وربما نحمل هويّة الشرق في سماتها الاستبداديّة، وفي ملامحها العنفيّة، وهي جذور تجاربنا، ونحن نفتخر بالانتماء إليها على نيّة معاداة الغرب في ديمقراطيّته (الاستعماريّة).
حتى الآن، يكفر مؤمنو الأحزاب بالعدديّة وبالتعدديّة، ويرون الإيمان كلّ الإيمان في نموذج واحد، هو السلعة الوحيدة المنتجة في ماكنة دماغية عقديّة، أو أيديولجيّة مركّبة من مكوّنات غير قابلة للمساكنة مع مكوّنات أخرى.
