تتوازى مسيرة الخبير الدولي في الشؤون العمالية والباحث الاجتماعي والمدرِّب غسان صلَيبي مع مسار الحركة النقابية في لبنان والبلدان العربية. فمع دخوله سوق العمل، كانت الحركة النقابية في لبنان تواجه تداعيات الحروب الدائرة فيه، وفي البلدان العربية تعاني من الحدّ من حرياتها.
في كتابه "تطوير النقابات العربية" الصادر عن "دار سائر المشرق"، يروي صلَيبي مسيرته في الوظائف الثلاثة التي مارسها، في "المؤسسة الصناعية للغزل والنسيج"، و "الاتحاد العمالي العام"، فـ "الاتحاد الدولي لنقابات الخدمات العامة"، ويطرح الكاتب مقاربات لتطوير النقابات العربية، مبينًا ترابط الشخصي بالعام. هنا فصل من الكتاب حول "الاتحاد العمّالي العام".
في سنة 1993، جرت انتخابات جديدة في "الاتحاد العمّالي العام"، وانتُخب الياس أبو رزق رئيسًا... قبل انتخابه رئيسًا، كانت علاقتي بالياس أبو رزق عادية، نتبادل التحيّات في كلّ مرة نلتقي فيها رغم ندرتها، ذلك أن الرجل لم يكن من القيادات النقابية المعروفة في حينه في "إطار الاتحاد العمّالي العام"، ولم يبرز اسمه إلا قبل الانتخابات مباشرة، وبعد أن قلّده وزير العمل عبدالله الأمين وسامًا في "عيد العمّال". بعد انتخابه، لم يشأ أن يبقى مقرّ "الاتحاد العمّالي العام" في المرفأ، فانتقل معه إلى "تلفزيون لبنان" حيث كان يعمل مخرجًا تلفزيونيًا. لم يبادر إلى الاتصال بي كأحد العاملين في "الاتحاد"، مما دفعني إلى الاتصال به لأخذ موعد. بدا الأمر منذ البداية كأنه يتعامل معي كواحد من فريق أنطوان بشارة، خصمه في الانتخابات التي ربح فيها بفارق صوت واحد. مع أنني كنتُ حرصتُ على ألا أتدخل في نسج التحالفات، مع تفضيلي بالطبع إعادة انتخاب أنطوان بشارة. في لقائنا، لم يسألني عن طبيعة عقد العمل الذي يربطني بـ "الاتحاد" وعن سنين الخدمة. اكتفى بسؤال واحد: "شو بتعرف تعمل؟"، كأنه كان يبحث لي عن مكان في فريقه ولا يعرف ما هو، أو بالعربي المشبرح "مش عارف شو بدو يعمل فيي".
لم يكن اللّقاء حبّيًا على الإطلاق، وقد أهانني بسؤاله: "شو بتعرف تعمل؟" بعد عشر سنوات من عملي في "الاتحاد العمّالي العام". فهمتُ تمامًا في حينه أنني لن أتحمّل العمل مع شخصية متعجرفة كهذه، لذلك لم أعاود الاتصال به، ولم يعاود هو الاتصال بي، متنصّلا من أي مسؤولية تجاه من عمل لعشر سنوات في مؤسسة بات يرأسها.
كنتُ في هذه المرحلة قد بدأتُ التواصل مع "الاتحاد الدولي للخدمات العامة" والتعاون معه من خلال تنظيم بعض الورش المتفرقة وإعداد مواد تدريبية. ربّما لهذا السبب فضّلتُ الانسحاب بهدوء كشكل من أشكال الاستقالة الطوعية، بدون كلام ولا بيان. هذا لا يعني أنّ المسألة لم تأخذ بعض الوقت حتى أقتنع بضرورة الانسحاب، فليس سهلا أن تترك عملا بهذه الطريقة بعد أن كرّست له سنين شبابك في ظروف قاسية فرضتها الحرب. لكن ما صدمني أكثر هو صمت القيادات النقابية التي ترافقتُ معها، مسايرةً منها للرئيس الجديد، باستثناء قليل منها حاول دون جدوى إيجاد طريقة لبقائي في عملي، ومن بينهم النقابيان أديب أبو حبيب وإسماعيل بدران، رئيس "الاتحاد الوطني للنقابات" وأمينه العام، آنذاك. وقد فُصِلا فيما بعد من "الحزب الشيوعي" الذي كانا ينتميان إليه، بسبب مواقفهما النقابية المستقلّة عنه.
في فترة رئاسة الياس أبو رزق، ابتعدتُ كليًا عن أنشطة "الاتحاد العمّالي العام"، ورحتُ أراقب عمله عن بُعد. بعد أبو رزق، انتُخب غنيم الزغبي، رئيس "نقابة مياه بيروت وجبل لبنان"، رئيسًا، في سياق انقسام حاد في "الاتحاد العمّالي العام"، أدّى إلى إجراء عمليّتَي انتخاب: واحدة انتُخب فيها الزغبي، وثانية أُعيد فيها انتخاب أبو رزق.
رغم تقديري الكبير لغنيم الزغبي - وهو من النقابيّين المشهود لهم بالمناقبية وبالمواقف الصادقة بعيدًا عن التجاذبات السياسية التي باتت تتحكّم بـ "الاتحاد العام" نتيجة إدخال اتحادات حزبية جديدة كثيرة وذات طابع مذهبي إليه - بقيتُ بعيدًا، أجتمع مع الزغبي من وقت لآخر لكن دون الالتزام بأي عمل محدد. ولم تمضِ سنة حتى استقال الزغبي بسبب وقوع "الاتحاد" كلّيًّا تحت الهيمنات الحزبية، ورفضه الخضوع لهذا الواقع. بعد ذلك، أُعيد انتخاب أبو رزق من جديد بدعم من خصومه السابقين، أي من اتحادات "حركة أمل" تحديدًا - التي كان يرفض انتسابها سابقًا - وذلك من خلال تسوية سياسية فوقية.
الواقع الحالي لـ "الاتحاد العمّالي العام"
هكذا وجدتُ نفسي أمام اتحاد عمّالي عام لم أعد أتعرّف إليه، من فرط ما أصبح تحت هيمنة الأحزاب المذهبية الشريكة في السلطة، المتحالفة حينًا والمتصادمة أحيانًا أخرى... تبدّل دور "الاتحاد العمّالي العام" في مرحلة ما بعد حرب 1975 على الشكل الآتي:
المرحلة الأولى برئاسة أنطوان بشارة (1990-1993): حافظ "الاتحاد العمّالي العام" في هذه المرحلة على دوره الذي اضطلع به إبّان الحرب. وإذ كان لا يزال مستقلا نسبيًّا عن السلطة السياسية، تراوحت وظيفته بين التفاوض مع السلطة أو الضغط عليها، وكانت آخر عملية ضغط الإضراب والتظاهر في 6 أيار 1992، اللّذان أدّيا إلى استقالة حكومة عمر كرامي.
المرحلة الثانية برئاسة الياس أبو رزق (1993-1997): حافظ "الاتحاد العمّالي العام" على استقلاليّته تجاه السلطة التنفيذية، لكنه ابتعد عن دوره النقابي (التفاوض والضغط)، متحوّلا إلى معارضة سياسيّة التفّ حولها معارضون لسياسة رئيس الحكومة رفيق الحريري. وهذا التحوّل جعل منه أسيرًا، بل أداةً في بعض الأحيان، للتجاذب الذي كان حاصلا في حينه بين الرئيس الحريري وما كان يسمّى بـ "النظام الأمني اللّبناني-السوري".
المرحلة الثالثة برئاسة غسّان غصن (1997-2017): تميّزت هذه المرحلة بتبعية شبه كاملة للسلطة السياسية بعد أن سيطرت أحزاب السلطة على الاتحادات المنضوية تحت لواء "الاتحاد العمّالي العام"، وتاليًا على "الاتحاد العمّالي العام" نفسه. وأصبحت التحرّكات جزءًا من المناورات السياسية بين أطراف السلطة، بحيث كانت وظيفة "الاتحاد" ترجمة لإرادة حزبَي "حركة أمل" و"حزب الله" اللّذَين أصبحت لديهما الأكثرية داخله. وصلت التبعية بـ "الاتحاد" إلى حدّ الانخراط بتحرّكات، انسحب منها في الساعات الأخيرة، أدّت إلى نزاعات مذهبية مسلحة، كما حصل إبّان ما عُرف بـ "غزوة بيروت" في 7 أيار 2008. كان "الاتحاد" قد قرّر تنظيم تظاهرة في منطقة المزرعة في بيروت في 7 أيار، وهي المعروفة باختلاطها الإسلامي المذهبي. لم تخلُ هذه المرحلة من جولات تفاوض مع السلطة السياسية، لكنها تميّزت أكثر بـ "جولات" كان يقوم بها "الاتحاد العمّالي العام" على المراجع الدينية والسياسية، متوخيًا بذلك الحصول على تأييد لمطالبه.
المرحلة الرابعة برئاسة بشارة الأسمر (2017): في هذه المرحلة لم تتغيّر تركيبة "الاتحاد العمّالي العام" من حيث تبعيّته لأحزاب السلطة. لكن القيادة الجديدة برئاسة الأسمر عبّرت عن دينامية، لا سيّما في مجال الدفاع عن قضايا قطاعية، في حين أنّ مواجهة السياسات الاقتصادية الاجتماعية العامة بقيت عند حدّها الأدنى المقتصر على بعض المواقف. عاد "الاتحاد العام" في هذه المرحلة إلى المفاوضة ونظّم بعض الإضرابات، لكن الفاشلة، بسبب عدم الجدية في التحضير الكافي لها والقدرة على تنفيذها، وحجم تمثيله الضعيف في الكثير من القطاعات. كما استعاد "الاتحاد" في هذه المرحلة أيضًا علاقته مع "هيئة التنسيق النقابية" لروابط القطاع العام، لكن بعد أن أصبحت هي أيضًا تحت سيطرة تحالف أحزاب السلطة.
أما بالنسبة إلى البنية التنظيمية، فقد أصبحت على الشكل الآتي:
يتكوّن "الاتحاد العام" راهنًا من عدد من الاتحادات (نحو 60 اتحادًا)، تتوزّع بين اتحادات عامة واتحادات قطاعية، إضافة إلى اتحادات جغرافية. ومن الملاحظ أنّ أكثرية الاتحادات تمّ إنشاؤها في فترة ما بعد الحرب (58%)، وحصل هذا التكاثر في وقت كان يُسجَّل فيه تراجع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد اللّبناني، خصوصًا في قطاعَي الزراعة والصناعة، فضلا عن تراجع نسبة العمل المأجور إلى إجمالي القوى العاملة على المستوى الوطني. وبالفعل، فقد انخفضت نسبة العاملين بأجر في العقود الأربعة المنصرمة من نحو 65 في المئة في أواسط التسعينات إلى أقل من 50 بالمئة في الوقت الحاضر. لم يرتبط هذا التكاثر بحاجة موضوعية لسدّ حاجات قطاعية محدّدة فرضها نمو الاقتصاد وتطوّر تقسيم العمل فيه، كما يظهر من خلال أنواع الاتحادات المستحدثة. أكثرية الاتحادات الموجودة حاليًّا هي ذات صبغة حزبية - مذهبية (54%)، وتنسحب هذه الصبغة على الاتحادات القطاعية (52%) والاتحادات العامة (58%) والاتحادات الجغرافية (61%)، فالغالبية الساحقة من الاتحادات الحزبية – المذهبية (81%) أُنشئت في فترة ما بعد الحرب.
