في بلدٍ يعجّ بالتناقضات وتتصارع فيه القيود الاجتماعية والسياسية مع حريّة التعبير، واجهت منصّة "awk.word" للكوميديا الارتجالية في لبنان، حملة انتقادات واحتجاجات، خصوصاً بعد إلغاء عرض في مدينة طرابلس قبل أيام، نتيجة ضغوط شعبية.
بينما يرى بعض الجمهور في عروض فنّاني "awk.word" تجاوزاً للخطوط الحمراء، يعتبرها آخرون صوتاً نقديّاً ضروريّاً في مجتمع يعاني من أزمات متعدّدة، يهدف إلى كسر الجمود من خلال تقديم عروض حيّة تتناول مواضيع اجتماعيّة حسّاسة بأسلوب جريء، ما يسهم في تعزيز حرّية التعبير والتوعية الاجتماعية.
أيّ دين تهزّه نكتة؟
أحد الكوميديين الذين شاركوا في عرض طرابلس الأخير على مسرح "ستيريو كواليس"، محمد بعلبكي، يروي في حديث لـ "نداء الوطن"، أنّ "بعد انتهاء العرض الأول بسلاسة، وبسبب الإقبال الكثيف ونفاد التذاكر سريعاً، كان من المقرّر إقامة عرض آخر في اليوم نفسه، إلّا أنّ عشرات الأشخاص تجمّعوا أمام المكان لإيقاف العرض، ووصل شيوخ يتحدّثون باسم "الجماعة الإسلامية" بين أيديهم خطابات جاهزة، قائلين: "نحن لا نهدّدكم، ولكن إذا خرجنا من هنا ولم يتمّ إيقاف العرض، فلا نضمن ماذا يمكن أن يفعل الشباب"، معتبرين أنّ عروضنا تروّج للمثلية الجنسية وتمسّ بالقيم الأخلاقية وتطول الأديان والمقامات. وعندما أُلغي العرض الثاني، احتفلوا كأنهم حقّقوا انتصاراً وطنيّاً".
أضاف بعلبكي: "العرض ضمّ ممثلين من مختلف الأديان والخلفيّات ليتحدّثوا في مواضيع اجتماعية واقتصادية بأسلوب ساخر. التجييش الطائفي ضدّنا، بدأ منذ أن اجتزأ أحد الأشخاص مقطعاً من عرض للممثل الكوميدي نور حجار كان بعنوان "ستاند أب عالبلدي"، وآخر للكوميديّة شادن فقيه، وذلك لغايات غير معروفة، ما أثار موجة انتقادات غاضبة وواسعة ضدّنا وضدّ كلّ القيّمين على هذه العروض، إضافة إلى كلّ أساليب التهديد التي واجهتهما، إلى جانب الملاحقة القانونية". وتابع: "مع إعلاننا عن إقامة عرض في صيدا، بدأت الاحتجاجات والتهديدات تتوالى، فقرّرت إدارة "awk.word" إلغاء العرض من أجل سلامة الجميع، ريثما تنسّق بشكلٍ أكبر مع القوى الأمنية من أجل عروض طرابلس"، موضحاً أنّ "منصّة "awk.word" لا تمثّل أحداً من الممثلين ولا أحد منهم يمثّلها". وسأل بعلبكي: "أين حريّة التعبير؟ وأيّ دين تهزّه نكتة؟"، مضيفاً أنّ "عناصر الجيش اللبناني كانوا واقفين يتفرّجون ولم يفتحوا لنا الطريق الأساسي لنمرّ. بينما لو كانت التظاهرات ضد شخصية سياسية، لكان الردّ سيكون بالقنابل المسيّلة للدموع". ولفت إلى أنّ "على الدولة حماية الجميع بالطريقة نفسها، وعلى الناس أن يتقبّلوا بعضهم بعيداً من الجهل والاستخفاف بعقول الآخرين".
غايات في نفس يعقوب
هذه الحادثة أثارت نقاشاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث عبّر البعض عن استيائه من إلغاء العرض، واعتبر هؤلاء الأمر تعدّياً على حريّة التعبير. بينما رأى آخرون أنّ بعض المواضيع التي تتناولها العروض تتجاوز الحدود المقبولة. وأشارت تعليقات نشرها محتجّون على هذه العروض الفنّية عبر مواقع التواصل، إلى أنّ "منصّة "awk.word" تدعم أشخاصاً اختاروا المثليّة الجنسيّة والمساس بالقيم الدينية كمحتوى كوميدي، لغايات في نفس يعقوب". وثمّة من كتب: "لا يمكننا السماح لهذه المهزلة بالتمادي والانتشار، وينبغي منعهم من إهانتنا تحت عنوان حرية التعبير. لقد تجاوزوا كلّ الخطوط الحمراء، وكأن لا مواضيع ليتحدّثوا عنها سوى الدِّين والشذوذ".
موقف "awk.word"
على أي حال، تواجه منصّة "awk.word" تحدّيات مستمرّة بسبب الرقابة والضغوط من الجهات الأمنية، خصوصاً عند تناول مواضيع تتعلّق بالسياسة أو الدين. واقع أدّى إلى إلغاء بعض العروض وتأجيل أخرى، كما حدث في تشرين الأول 2023، عندما ألغيت عروض في بيروت بسبب الأوضاع الأمنية المتوتّرة. ويؤكد القائمون على "awk.word" أنّ هدفهم هو استخدام الكوميديا كوسيلة للتعبير عن الواقع الاجتماعي والسياسي في لبنان، وليس الإساءة إلى أيّ جهة، معتبرين أنّ الضحك أداة للمقاومة السلميّة والتفريغ النفسي في ظلّ الأزمات المتعدّدة التي يمرّ بها البلد.
استدعاءات وتوقيفات
وفي آب 2023، استُدعي الكوميدي نور حجار للتحقيق بعد نشر مقطع فيديو له على منصات "awk.word" يتضمّن نكتة عن الجيش اللبناني. النكتة أشارت إلى أنّ العديد من عناصر الجيش يعملون في إحدى شركات توصيل الأغراض، ما اعتبره البعض إهانة للمؤسسة العسكرية. حجّار كان أوضح حينها أنّ هدفه كان تسليط الضوء على الظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهها الجنود، لا الإساءة إليهم. وفي تموز 2024، أعلنت شادن فقيه التي تقدّم بدورها عروضاً كوميديّة، أنها لن تعود إلى البلاد في الوقت الراهن، مشيرةً إلى أنّ الدولة غير قادرة على حمايتها، وأنها تحتاج للعناية بصحّتها النفسية بعد ثلاثة أشهر صعبة، وذلك بعدما واجهت تهديدات بالقتل وحملات تحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
فقيه سبق أن واجهت قضيّة أمام المحكمة العسكرية في العام 2022، بسبب مقطع فيديو ساخر اتصلت فيه بقوى الأمن الداخلي خلال فترة الإغلاق بسبب جائحة كورونا، وطلبت منهم توصيل فوط صحية. أدينت حينها بتهمة "الإساءة إلى سمعة قوى الأمن" وغُرّمت ماليّاً.
كما وتقدّمت المرجعيّتان الدينيّتان الأعلى للسُّنة والشيعة في لبنان، (دار الفتوى والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى)، بشكاوى قضائية ضدّ فقيه بتهم "تحقير الشعائر الدينية" و "المسّ بالدين الإسلامي" و "إثارة النعرات الطائفية".