رفيق خوري

أبعد من "التعايش" بين العقوبات والمساعدات

3 دقائق للقراءة

ليس في بيروت كالعادة موقف واحد مما سمعه وما قاله الرئيس سعد الحريري في واشنطن. لكن شبكة المصالح في الواقع المعقد المأزوم تفرض حدًا أدنى من الواقعية. فلا الذين أرادوا فشل المحادثات وتسجيل موقف صلب من سياسة الإدارة الأميركية يجهلون حاجة لبنان في أمور عدة إلى أميركا، وإن وضعوها في خانة "العدو"، ولا الذين راهنوا على النجاح ينسون كلفة النجاح والعجز عن تجاهل ما يمكن أن يفعله "محور الممانعة". ولا هم جميعًا يعيشون في "العالم الإفتراضي" خارج المأزق العميق الذي نحن فيه، حيث المسألة أبعد من الفشل والنجاح.

ذلك أن أميركا تلعب الورقة على الوجهين في لبنان الذي يلعب الورقة على الوجهين أيضًا. إدارة الرئيس دونالد ترامب تفرض عقوبات على حزب الله، وتقدم مساعدات عسكرية للجيش واقتصادية للحكومة، وتحرص على سلامة القطاع المصرفي، وتتوسط بين لبنان وإسرائيل في ترسيم الحدود البحرية والبرية. والسلطة اللبنانية تتعاطى مع حزب الله كأن أميركا وعقوباتها غير موجودة، وتتعامل مع أميركا كأن حزب الله والعقوبات في بلد آخر غير لبنان. شيء من "التعايش" بين العقوبات والمساعدات.

ومن الطبيعي أن يعمل الرئيس الحريري على طمأنة اللبنانيين الخائفين إلى تحقيق نوع من فك ارتباط بين موقف واشنطن من حزب الله وموقفها من لبنان. لكن من الصعب تجاهل الوجه الآخر للإرتباط والذي يعكسه مثل وزير الخارجية الأميركي مايك بوبيو "إن لبنان بلد مهدد من إيران وحزب الله". فالإهتمام الأميركي بلبنان يعود في واحد مهم من أسبابه إلى وجود حزب الله وسلاحه، كما كانت الحال أيام الوجود الفلسطيني المسلح. وما يدفع إدارة ترامب التي تعاقب حزب الله وتعتبره "منظمة إرهابية" إلى تفهم عجز بيروت عن أخذ مواقف منه، هو الخوف على الإستقرار ومن أن يسيطر الحزب على لبنان بالكامل. وهذا يتطلب إقامة توازن دقيق بين ما يرضي حزب الله وما يرضي أميركا. والحريري ليس اللاعب الوحيد.

والأصعب هو فك الإرتباط بين الوضع في لبنان والأوضاع المتفجرة والمتغيرة في المنطقة. فالوطن الصغير واحد من مسارح اللعبة الكبيرة الدائرة بين أميركا وإيران. وحزب الله أقوى لاعب "غير دولتي" في المحور الإيراني. لا فقط في ما يسمى "توازن الرعب" مع إسرائيل بل أيضًا في حرب سوريا. وهو كلاعب إقليمي يعلن بلسان أمينه العام السيد حسن نصرالله أن المنطقة كلها ستشتعل إذا هاجمت أميركا إيران. ويأخذ لبنان إلى اللعبة الكبيرة وسط الصمت الرسمي.

ويحدثونك عن "النأي بالنفس" والإصلاح.