في زمن تتقدّم فيه الخوارزميات على البشر، ويُعاد رسم ملامح المستقبل بلغة الذكاء الاصطناعي، يبقى السؤال الجوهري: هل سيشمل هذا المستقبل الجميع؟ أم سيتكرّر الإقصاء ولكن بصيغة رقمية؟
في لبنان، شكّل استحداث وزارة متخصصة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي خطوة متقدّمة في الشكل، لكنها لن تكون مؤثرة في الجوهر إلا إذا وضعت في صلب أولوياتها الإنسان، كل إنسان، وبشكل خاص من طالهم التهميش لعقود: الأشخاص ذوو الإعاقة.
بحسب منظمة الصحة العالمية، يُشكّل ذوو الإعاقة أكثر من مليار شخص في العالم. وفي لبنان، تتراوح النسبة بين 10 و12%، بحسب تقديرات غير رسمية، وسط غياب أي قاعدة بيانات موحّدة ودقيقة. هؤلاء المواطنون يواجهون تحديات كبيرة في الوصول إلى الخدمات الرقمية، التي باتت تمثّل البوابة الرئيسية للتعليم، والصحة، والعمل، وحتى للمشاركة في الحياة الديمقراطية.
التحول الرقمي لا يكون عادلاً إلا إذا كان شاملاً. والذكاء الاصطناعي قد يكون أداة تمكين أو أداة تمييز، بحسب ما تُحدده السياسات. لذلك، فإن وزارة التكنولوجيا الناشئة مدعوّة إلى اعتماد نهج دامج في كل الاستراتيجيات، بدءاً من تطوير بنية تحتية رقمية تراعي معايير النفاذ، مروراً بتوفير تمويل مخصّص للتكنولوجيا المساعدة، وصولاً إلى إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم في تصميم السياسات والمنصات.
ولا يُمكن الحديث عن شمول رقمي من دون إطار تشريعي وإداري واضح. فلبنان، وهو من الدول المصادِقة على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، ملزم بتأمين وصول متكافئ إلى المعلومات والخدمات. كما أن أهداف التنمية المستدامة (SDGs) تدعو صراحة إلى الحد من أوجه عدم المساواة الرقمية.
وهنا تبرز ضرورة إلزام جميع الوزارات والمؤسسات الرسمية والبلديات، إلى جانب القطاع الخاص الذي يوفّر خدمات إلكترونية، باعتماد تصميمات رقمية دامجة وقابلة للوصول لجميع فئات الإعاقة، بما يضمن المساواة في الاستفادة من التحول الرقمي.
إن استحداث وزارة الذكاء الاصطناعي لن يحمل معنى إنسانياً أو أخلاقياً، إذا ما تجاهل الفئات الأكثر هشاشة. آن الأوان لنردم الهوة الرقمية، ونكرّس مبدأ أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يخدم الجميع، لا أن يختار زبائنه.
لا ذكاء اصطناعياً بلا عدالة، ولا عدالة بلا شمول.