بعد سنين طويلة من العقوبات الغربية ومن القطيعة مع غالبية الدول الخليجية إبّان حكم الأسد الفارّ، عادت سوريا إلى قلب العرب وإلى عقل الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة، الراعية شبه الرسمية لسطوع نجم الرئيس الجديد أحمد الشرع، الذي خلع عنه ثوب الجولاني المتطرّف وحمل راية الاعتدال والانفتاح.
فلم تكد أشهر قليلة تمر على تربّع الشرع على عرش «قصر الشعب»، حتى شُرّعت له أبواب الغرب كما الشرق على مصراعيها، وبات الرئيس الشاب ضيفاً مرحباً به في قصر الإليزيه، وفي عدد كبير من الدول العربية، وليتوّج لقاءاته الخارجية في الرياض مع قائد سفينة «العمّ سام» الذي أبدى إعجابه به كمقاتل سابق وكرئيس شاب.
وقد فعل الودّ المستجدّ بين الشرع وبعض قادة الغرب فعله، وتُرجم رفعاً للعقوبات الأميركية فالأوروبّية التي كانت مفروضة على النظام البائد، والتي كانت تداعياتها تطول عموم السوريين البائسين. ورفع العقوبات هذا، لم يكن ليتمّ في وقت قياسي لولا إلحاح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال زيارته الأخيرة إلى الرياض، لتغدو دمشق بعد رفع العقوبات قبلةً للمستثمرين العرب والأجانب ولرؤوس الأموال والشركات، التي كانت تأتي في الأسابيع الأخيرة للاستكشاف، وباتت اليوم تأتي للاستثمار.
استثمارات لا هبات
وصف المراقبون شهر أيار المنصرم بـ «الذهبي» بالنسبة إلى سوريا الجديدة، إذ شهدت التطورات على المسرح السوري تحولات تاريخية وضعت البلاد على سكة التعافي والنهوض، تمهيداً للمضي في عملية إعمار ما هدمته الحرب الطاحنة. وفي «أيار الذهبي» تسلسلت التطورات كالآتي:
- في 7 أيار حطّ الشرع رحاله في باريس واستقبله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استقبال رؤساء الدول، وبحث الرجلان في إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي ورفع العقوبات.
- في 13 أيار، فجّر الرئيس الأميركي قنبلة اقتصادية مدوية بإعلانه رفع العقوبات عن سوريا.
- في 14 أيار، عُقد لقاء ثلاثي في الرياض جمع الشرع إلى بن سلمان وترامب، وهدف إلى تعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي.
- في 20 أيار، حذا الاتحاد الأوروبي حذو واشنطن، معلناً رفع العقوبات عن سوريا، التي اعتبرت أن الإعلان من شأنه تعزيز الأمن والاستقرار العالميَين، فضلاً عن إسهامه الكبير في إعادة الإعمار.
- في 29 أيار، وقعت دمشق مع ائتلاف من 4 شركات دولية، اتفاقية عملاقة في مجال الطاقة، ناهزت قيمتها الـ 7 مليارات دولار، وتساهم هذه الخطوة في ضخ «الأكسجين» في شرايين الاقتصاد السوري المتهالك منذ سنوات.
- في 31 أيار، حطّ وفد سعودي ترأسه وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان في دمشق، الذي أكد التزام المملكة بدعم استقرار سوريا الأمني والاقتصادي.
هذه التطورات الإيجابية، انعكست سريعاً على اقتصاد البلاد، وبدأ قطاع الطيران يخطو خطوات ثابتة نحو الازدهار بعدما كان متهالكاً في السنوات الأخيرة بسبب العقوبات، والأهم عودة الاستثمارات وليس الهبات، أي أن السوريين في العهد الجديد لا يستجدون المساعدات، بل يرنون إلى جذب الاستثمارات الغربية والعربية.
جنس ملائكة سلاح «حزب الله»
لا ريب في أن الوثبات الاقتصادية الكبيرة، تواكبها وتلازمها خطوات سياسية جريئة، لعلّ أبرزها المحادثات الدائرة مع الدولة العبرية للتوصل، إن لم يكن إلى «تطبيع شامل» معها، فإلى «اتفاق عدم اعتداء» على الأقل، يريح تل أبيب أمنياً من جهة، ويغدق من جهة أخرى على دمشق خيرات اقتصادية هي بأمسّ الحاجة إليها.
من كل ما تقدّم، يبدو أن سوريا تشهد دينامية محلّية وإقليمية ودولية غير مسبوقة، مدفوعة بالزيارات الخارجية التي يحرص الشرع على إتمامها على أكمل وجه، ومعطوفة على موجات الوفود الزائرة السياسية ومنها والاقتصادية، لتضع كل هذه العوامل سوريا على مشارف فورة اقتصادية كبيرة، ربّما تحسدها عليها دول جوارها، خصوصاً لبنان الغارق في البحث عن جنس ملائكة سلاح «حزب الله»، وسبل نزعه.