أجّج سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول عام 2024 كباشًا بين إسرائيل وتركيا، وهما قوّتان إقليميتان كانتا تتمتعان بعلاقات مستقرّة إلى حدّ بعيد سابقًا، قبل أن تبدأ علاقاتهما بالتدهور، خصوصًا بعد أزمة سفينة "مافي مرمرة" عام 2010. ومع انهيار نظام البعث، بدأت المواجهة تحتدم بين تل أبيب وأنقرة في سوريا، حيث تسعى تركيا إلى تعزيز نفوذها العسكري والأمني في البلاد، خصوصًا لكونها أحد الداعمين الرئيسيين للسلطات السورية الجديدة، في حين تعمل إسرائيل على منع أنقرة ودمشق من إنشاء بنى تحتية عسكرية تهدّد أمنها القومي. وقد بيّنت الدولة العبرية استراتيجيتها هذه بوضوح من خلال قصفها جزءًا كبيرًا من القدرات العسكرية التابعة للنظام السوري السابق بعد سقوطه. وفي هذا الإطار، اتهم مسؤولون سوريون وأميركيون إسرائيل، أمس، بشنّ غارات على مطار أبو الضهور العسكري، الخارج عن الخدمة منذ أكثر من عقد، وذلك بُعيد زيارة وفد عسكري تركي للموقع في ريف إدلب الشرقي خلال الأيام القليلة الماضية، في إطار مساع لإعادة تشغيله، وفقًا لـ "المرصد السوري"، بينما لم تتبنَّ إسرائيل الهجوم حتى كتابة هذه السطور.
ندّدت سوريا بالغارات الإسرائيلية، معتبرة إيّاها "عدوانًا غير مبرّر". وأكدت أنها ملتزمة بضبط النفس، وتعمل على ترسيخ الاستقرار وتجنّب التصعيد، داعية المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى "إدانة العدوان بشكل واضح واتخاذ موقف حازم تجاه الانتهاكات الإسرائيلية المتكرّرة للسيادة السورية". وتعهّدت بأنها ستواصل الدفاع عن حقوقها ومصالحها الوطنية بالوسائل المشروعة التي تكفلها القوانين والأعراف الدولية. وأوضح الإعلام الرسمي السوري أن الطيران الإسرائيلي استهدف، فجر الثلثاء، مدرج مطار أبو الضهور العسكري في ريف إدلب الشرقي بثماني غارات، ما أسفر عن أضرار مادية في بنية المطار من دون وقوع إصابات.
في السياق، أبدى المبعوث الرئاسي الأميركي إلى سوريا والعراق توم برّاك قلقه البالغ، معتبرًا أن الغارات الجوّية الإسرائيلية المؤكدة على قاعدة أبو الضهور تشكّل "تصعيدًا غير ضروري لا يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي"، ورأى أن "حكومة الشرع لم تتبنَّ نهجًا عدوانيًا، ولم تُبقِ على قوّات تعمل بالوكالة عنها. بل إنها، في الواقع، أشارت مرارًا إلى تفضيلها خفض التصعيد مع إسرائيل. واستضافت أميركا محادثات بهدف تشجيع وتيرة دبلوماسية بدلًا من اللجوء إلى العمل العسكري نتيجة الإحباط لدى كلا البلدين، وستواصل في المستقبل استضافة محادثات". ودعا كلّ الأطراف إلى "إعطاء الأولوية للحوار المنطقي بدلًا من وقوع مزيد من الحوادث العسكرية". وندّدت تركيا بشدّة بالغارات الإسرائيلية على مطار أبو الضهور، داعية المجتمع الدولي إلى ضمان محاسبة تل أبيب على أفعال اعتبرت أنها تنتهك القوانين الدولية. كذلك، دان "مجلس التعاون الخليجي" الهجوم الإسرائيلي على أبو الضهور.
وكان مطار أبو الضهور خارجًا عن الخدمة منذ عام 2012، أي بعد عام من اندلاع الثورة السورية. وبسطت السلطات الجديدة سيطرتها على المطار، الذي مُني خلال سنوات النزاع بأضرار جسيمة، بعد وصولها إلى الحكم. وكانت قوّات النظام السابق قد استعادت سيطرتها على المرفق أواخر عام 2018، بعدما خرج عن سيطرتها في أيلول 2015 إثر سيطرة فصائل معارضة وجهادية على الجزء الأكبر من محافظة إدلب الحدودية مع تركيا.
نوويًّا، كشف رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رفاييل غروسي أن مفتّشي الوكالة عثروا في سوريا على "بضعة أطنان من المواد النووية التي يمكن إساءة استخدامها"، في موقع ذكرت السلطات أنها أبلغت الوكالة عنه الشهر الماضي. وأشاد غروسي بـ "القرار الشجاع" الذي اتّخذته دمشق بالإبلاغ عن الموقع غير المعلن، الذي يعود إلى عهد الأسد، مطمئنًا إلى أن المواد ستوضع تحت "الضمانات الدولية". وأكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع غروسي في دمشق، أن "التقييمات الفنية" تشير إلى أن "هذه المواد لا تشكّل خطرًا"، متعهّدًا بأنها "ستبقى في الحيازة الوطنية السورية وخاضعة لنظام ضمانات الوكالة".
كما زار غروسي موقعًا آخر في دير الزور كان مغلقًا منذ 18 عامًا، وكانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تشتبه في أنه كان يضمّ مفاعلًا نوويًا. وقال غروسي: "كنّا في... موقع دير الزور، حيث تجري الآن أعمال حفر واستكشاف شاملة للغاية"، مشيرًا إلى أن ذلك "مهمّ جدًا لأنه، بطبيعة الحال، يؤكد التقييم الذي تتبنّاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ فترة طويلة، ومفاده أنه كان يجري بناء منشأة نووية سرًّا". وجرى الاتفاق بين سوريا والوكالة على خطوات محدّدة، يجري تنفيذها حاليًا، تمكّن الوكالة من معالجة مسائل الضمانات العالقة الناشئة عن أنشطة جرت في عهد الأسد.
قضائيًّا، أصدر القضاء السوري حكمًا حضوريًا بالإعدام بحق وسيم الأسد، ابن عمّ الرئيس المخلوع بشار الأسد. وأفاد رئيس محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، القاضي فخر الدين العريان، بـ "تجريم" وسيم الأسد، الذي ظهر خلف القضبان، "بجناية القتل العمد وجناية القتل القصد لأكثر من شخص والقتل القصد المترافق مع أعمال التعذيب والشراسة نحو الأشخاص، بوصفها جرائم ضدّ الإنسانية وجرائم حرب". وأوضح أن المحكمة أثبتت تشكيل وسيم الأسد مجموعتين مسلّحتين مواليتين للنظام السابق شاركتا في هجمات عسكرية قرب دمشق أوقعت قتلى، كما أدانته بجرائم إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي والحرمان من الحرّية والتعذيب. وبرّأت المحكمة الأسد من تهمتي تهريب المخدّرات والاتجار بها لعدم كفاية الأدلّة.
في الأثناء، ألقت قوى الأمن الداخلي السورية القبض على اللواء في جيش الأسد سهيل نديم عباس، بعد ثبوت مشاركته في عدد من العمليات العسكرية والانتهاكات بحق السوريين في محافظات عدّة. كما ألقت قوى الأمن الداخلي والاستخبارات العامة السورية، بالتعاون مع الشركاء الدوليين، القبض على المدعو حمزة عبدالله محمد، الملقّب بـ "أبو جهاد المهاجر"، والمصنّف أحد القياديين العسكريين البارزين في تنظيم "داعش" الإرهابي، إثر عملية أمنية محكمة نُفّذت في ريف مدينة منبج في محافظة حلب.