إستال خليل

"السوشيال ميديا" تصنع النجوم… فماذا بقي للتلفزيون؟

من الشاشة الصغيرة إلى الهاتف الذكي: تحوّلات الشهرة

8 دقائق للقراءة

عرف المشهد الإعلاميّ في العقد الأخير، تحوُّلاً جذريّاً في طريقة استهلاك الجمهور للمحتوى، وبرزت وسائل التواصل الاجتماعي كقوّة إعلامية لا يمكن تجاهلها. من منصّة "فاين" التي لم تعمّر طويلاً، إلى "تيك توك" التي اجتاحت العالم، أصبح للجيل الجديد شاشاته الخاصة ومشاهيره الذين صنعوا أنفسهم بأنفسهم بعيداً من الكاميرات التقليدية والاستوديوات المغلقة والديكورات الفخمة.


"نداء الوطن" التقت 3 من صانعي المحتوى اللبنانيّين، حدّثونا عن رحلة كلّ منهم مع "السوشيال ميديا"، وكيف أصبحت هذه المنصّات البديل الأبرز للتلفزيون، حتى أنها تفوّقت عليه بالنسبة لهم من حيث الوصول إلى الجمهور والشهرة والتأثير.

"بدأتُ رحلتي على "السوشيال ميديا" منذ أيام الجامعة. كنتُ خرّيجة مسرح وتمثيل، وأبحثُ عن وسيلة أُظهر فيها موهبتي في التمثيل وتقليد الشخصيات. لم تكن هناك برامج تلفزيونية تفتح المجال للمواهب الجديدة. في بلد مثل لبنان، تغيب فيه شركات الإنتاج ويتراجع فيه الدعم الرسميّ للفن، لم يكن أمامي سوى "فايسبوك"، ومن ثمّ "إنستغرام"، ولاحقاً "تيك توك"، لأثبتَ نفسي"، هذا ما قالته أريج الحاج التي باتت وجهاً معروفاً في الكوميديا.


لا مقارنة

تضيف الحاج في حديثها لـ "نداء الوطن" أنّ "من الطبيعي أن نُدرك أن "السوشيال ميديا" تختلف تماماً عن التلفزيون. فاليوم بات جهاز التلفاز بالنسبة لكثيرين، مجرّد قطعة ديكور في منازلهم، في حين صار الهاتف المحمول وسيلة للوصول إلى كل بيت من دون استئذان". فالجميع، كباراً وصغاراً، يتابعون المحتوى الذي تقدّمه الحاج، ما يُسهِم في انتشاره بشكل واسع يفوق ما يُتيحه التلفزيون، رغم أهمية التلفزيون من حيث نوعيّة الصورة والصوت والتزامه بأخلاقيات المهنة، على ما تقول. "لهذا السبب، لا يمكن المقارنة بين الوسيلتَين. لكن إذا كنا نتحدث عن الانتشار السريع، فإنّ مواقع التواصل الاجتماعي بالتأكيد تتفوّق، لأنني من خلال هذه المنصّات، استطعتُ الانتقال لاحقاً إلى التلفزيون".



وتتابع الحاج في هذا الإطار شارحةً أنّ "هناك كثيرين لا يحصلون على فرصة الظهور على الشاشة، بسبب غياب شركات الإنتاج وافتقار التنوّع في البرامج، سواء في مجال الكوميديا أو الدراما أو المسلسلات. وعندما يكون لدى شخص محتوى يرغب بتقديمه خارج إطار "السوشيال ميديا"، فهو لا يجد المساحة الكافية لذلك. لكن مع كل شخص جديد يظهر على مواقع التواصل، أكرّر دائماً أنّ وسائل الإعلام الرقميّة لا ينبغي أن تحلّ مكان التلفزيون تماماً، لأنه ما يزال يحتفظ بهيبته، وضوابطه، وأخلاقياته. وهذا على عكس "السوشيال ميديا"، حيث يمكن لأيّ شخص أن يقول ما يشاء، حتى لو استخدم ألفاظاً بذيئة أو لجأ إلى التنمّر في فضاء لا رقابة حقيقية فيه، على عكس التلفزيون". وترى الحاج أنّ لتقديم برنامج تلفزيوني، يحتاج أن يتمتّع مقدّمه بنضج فكريّ، وبثقافة وخبرة كافيتين، لأن الأمر يتطلّب دراسة معمّقة على كافة الأصعدة. وهي بدورها ترغب أن يكون لها يوماً برنامجها الخاص، حين تكون جاهزة فعلاً لهذه الخطوة.



لكنّ الممثّلة الشابة والوجه الكوميدي المعروف تستدرك قائلةً: "في لبنان، لست متأكدة إلى أي مدى يمكن للفرد أن يحصل على فرصته، لأنّ هناك العديد من المواهب الجديدة التي تستحق الظهور والمشاركة في برامج تلفزيونية أو مسلسلات، إنما مع الأسف، هناك تقصير واضح من قِبل النقابات وشركات الإنتاج، إذ نادراً ما نرى وجوهاً جديدة، بل نستمر في مشاهدة الأشخاص أنفسهم".



وعن الكسب المادي تقول: "في كثير من الأحيان، يصبح المحتوى المقدَّم وسيلة لتحقيق دخل، خصوصاً من خلال الإعلانات. فالإعلانات عبر "السوشيال ميديا" تحقّق تفاعلاً أكبر بكثير من الإعلانات على التلفزيون".


فرص جديدة وعالمية

تكمن القوة الكبرى لـ "السوشيال ميديا" في قدرتها الفائقة على الإنتشار، كما يرى رفاييل سركيسيان الذي يستعيد قصّته قائلاً: "في المدرسة لم تكن علاماتي جيّدة لأنني كنت أقضي معظم وقتي على "يوتيوب". لكن هذا الشغف تحوّل لاحقاً إلى مهنة. بدأت نشر الفيديوات منذ 10 سنوات، لكنّني لم أحقّق النجاح الفعليّ إلا بعد 5 سنوات. كانت جائحة "كورونا" فرصتي الذهبية على مواقع التواصل، وكنت قد تأثّرت كثيراً بمنصّات مثل "فاين"  و"يوتيوب" الأميركي، ما انعكس على أسلوبي في المونتاج وطريقة السرد الكوميدي".


سركيسيان استغلّ شهرته على المنصّات ليطلق علامته التجارية الخاصة، ويُطلق وكالة لإنتاج المحتوى الرقمي، ويقول بفخر: "بفضل "السوشيال ميديا"، تعاقدتُ مع شركات عالميّة وعملتُ على حملات دعائية للخارج. أنا لا أجني مالاً مباشراً من المنصّات، لكنّها فتحت لي أبواباً وفرصاً واسعة، لا يمكن لأيّ شاشة تلفزيونية أن تمنحني إياها".


ويتابع: "العمل على المحتوى تطلّب مني التزاماً يومياً تقريباً لناحية التصوير والمونتاج، وهذا ما درّبني على أهميّة الانضباط والصبر. وفي مرحلة انتشار "كورونا" ارتفع التفاعل على "يوتيوب" وتوسّع الجمهور بشكل كبير. لكن ما ميّزني فعلاً كان أسلوبي الخاص في المونتاج الذي حرصت على تطويره بأسلوب مبتكر ولافت".



وكما أريج الحاج، كذلك رأى رفاييل سركيسيان في حديثه مع "نداء الوطن" أنّ المواهب في لبنان لا تُعطى حقّها، إنمّا يؤكّد قناعته بأنّ الفرص تُصنع ولا تُمنح. من هنا، يقول سركيسيان، "علينا أن نبادر ونخلق لأنفسنا الفرص، ثم نستغلها بالشكل الصحيح. منصّات التواصل أوصلتني إلى أماكن لم أكن أتخيّل بلوغها يوماً، وكل ما حقّقته حتى الآن كان بجهد شخصي. واليوم، بدأت أرى ثمرة هذا التعب، وأشعر بالفخر بكل خطوة قطعتها".



أما عن التلفزيون، فقال سركيسيان: "لا أشاهد برامجه، لأنني كالكثيرين أفضّل المحتوى الرقمي القصير والسريع. حتى أنّ ما يُعرض على التلفاز، بات يُعاد نشره على مواقع التواصل. في هذا الزمن، مشاهير "السوشيال ميديا" أصبحوا أكثر شهرة وتأثيراً من نجوم التلفزيون. لقد تغيّر المشهد الإعلامي، والمؤثّرون باتوا النجوم الجدد، إنما في المقابل لا أمانع أن أشارك يوماً ما في عمل تمثيلي على شاشة التلفزيون".

لا حدود للجمهور

ليوني الحاج، التي اشتهرت بتقديم مواد كوميدية خفيفة وسريعة على مواقع التواصل الاجتماعي، تتحدّث بدورها لـ "نداء الوطن" عن تجربتها في فضاء "السوشيال ميديا"، فتروي أنّ "مع مرور الوقت، بدأ التفاعل مع الجمهور يزداد بشكل كبير، لأنني أدركت كم أنّ الناس بحاجة إلى الضحك، خصوصاً عبر هذه المنصات. وسائل التواصل الاجتماعي بدأت تأخذ دور التلفزيون تدريجيّاً. حتى والدي ووالدتي، اللذَين كان التلفاز مصدرهما الأساسي للمعلومات والتسلية، أصبحا اليوم يعتمدان على "السوشيال ميديا" لأنها أسرع من حيث الانتشار".

وتضيف الحاج: "في المقابل، التلفزيون يوصل الرسائل، لكن بوتيرة أبطأ. أما اليوم، فأيّ شخص يمتلك القدرة على صناعة محتوى يمكنه إيصال فكرته أو رسالته بسرعة قياسية. لقد منحتني مواقع التواصل مساحة حقيقية لأُظهر من خلالها موهبتي في التمثيل وأنا مرتاحة. وأعتقد أنه سيأتي يوم يستبدل فيه التلفزيون تماماً بـ "السوشيال ميديا"، كما حصل سابقاً عندما استُبدل الراديو بوسائل إعلامية أحدث". لافتةً إلى أنّ "في عصر السرعة، يمكن للمستخدم أن يشاهد ما يريد، وفي الوقت الذي يريده، وكلّ ما يقدّمه التلفزيون أصبح اليوم موجوداً على الهواتف الذكية. لكن مع ذلك، إذا ظلّ التلفزيون محتفظاً بهيبته، وإذا عُرضت عليّ فرصة تمثيلية تناسبني، فأنا بالتأكيد سأرحّب بها".


ليوني الحاج تشارك زميلَيها أريج الحاج ورفاييل سركيسيان رأيهما لجهة أنّ العديد من أصحاب المواهب في لبنان لا ينالون فرصهم كما هي الحال في دول الخارج، وهذا بالنسبة لها يُعتبر خللاً كبيراً في دعم الطاقات الشابة. لكن لناحية تفاعل الجمهور، فهي تراه عالياً جدّاً، لا سيّما بين الجمهور اللبناني، حيث "هناك من يضحك ويستمتع، وهناك من ينتقد، لكن الانتقادات السلبيّة لا تؤثر فيّ، بل تدفعني لتقديم محتوى أفضل".

وختمت حديثها قائلة: "وسائل التواصل تتيح فرصاً لكسب المال من خلال الإعلانات، بطريقة محترمة ومنظّمة، لكن كل هذا يتطلّب جهداً كبيراً، والتزاماً مستمرّاً، وثقة بالنفس".

واقع جديد وليس بديلاً

إذاً انطلاقاً من تجارب أريج ورفاييل وليوني وكثر غيرهم، لم تعد منصّات التواصل الاجتماعي مساحة للعرض فحسب، بل تحوّلت منصّات حقيقية لبناء العلامات التجارية، وخلق فرص عمل، والتأثير في الرأي العام الذي بات بمعظمه يفضّل المحتوى الرقمي القصير والسريع، وامتلاك حريّة اختيار المادة ومشاهدتها في أي وقت. لكن قد لا تحلّ "السوشيال ميديا" مكان الإعلام التقليدي تماماً كما يطيب لـبعض نجوم ونجمات "السوشيال ميديا" الاعتقاد، رغم أنها أضحت حتماً أقوى وأسرع وأكثر تأثيراً. فلا السينما ألغت المسرح، ولا التلفزيون قضى على الإذاعة، ولا مواقع التواصل ستُنهي الشاشة الصغيرة، لذا ربّما من الأجدى البحث للمستقبل عن صيغة تكامليّة بين الإفادة من تطوّر وسائل البث والتقنيّات مع المحافظة على المضمون الذكي والجاذب للجمهور.