بين نبضَين، في عتمة رحمٍ لا يعرف اللّيل من النّهار، تُكتب الحكاية على إيقاع الماء واللّحم والنّور الغائب. هناك، حيث الحياة تتكوّن بلا ضجيج، وحيث لا زمن سوى زمن الأمّ الحامل، يُولد "بالسّابع"، كمسرحيّة خارجة عن المألوف، لا تقع أحداثها في الأماكن الاعتياديّة، بل داخل جسد امرأة تستعدّ لتُرزق بمولودٍ جديد. بذلك، يكون الرّحم في "بالسّابع"، لا مجرّد حاضن بيولوجيّ، بل مسرح كونيّ يتداخل فيه الماضي بالحاضر، والموت بالحياة.
يتولّى الجنين — الذي يجسّده ببراعةٍ الممثّل الشّاب جو الخوري — رواية تجربته الوجوديّة العجيبة، بأسلوب كوميدي، متوشّح بالدّراما. في هذه المسرحيّة التي كتبها الخوري نفسه، وأخرجتها الممثّلة والمخرجة ميراي بانوسيان، يستعيد الجنين ذاكرته الماضية، كرجلٍ توفّى لكنّ روحه لم تعبر إلى "الضّفّة الأخرى"، أو ما يُعرف بعالم الآخرة، بل تقمّصت حياةً جديدة داخل جسدٍ لم يُولد بعد.
سبعة أشهر من التّكوين الجسدي تتقاطع مع ذاكرة حياةٍ سابقة، يتحدّث خلالها الجنين عن ماضيه، عن شخصيّته التي ماتت، عن خيباته، أخطائه وفرصه الضّائعة، ويقارن بين ما عاشه في حياته السّابقة، وما يسمعه الآن من نبض عائلةٍ جديدة، من أصواتٍ وأسرار وخيبات وأملٍ مرتقب.
أسئلة وجوديّة
في هذا العمل، تمتزج الأسئلة الوجوديّة بالحضور المسرحي، حيث يُصبح الرّحم مسرحاً، والجنين فيلسوفاً صغيراً يطرح أسئلة كبرى عن الهويّة، الانتماء، الماضي والمصير.
"بالسّابع"، المسرحيّة الّتي يقودها جو الخوري بكلّ شخصيّاتها المتنوّعة والمعقّدة، ليست فقط مغامرة دراميّة، بل تجربة شعوريّة تتنقّل بين طبقات الحياة، وتدعونا لنصغي، ربما للمرّة الأولى، لما قد يقوله الجنين لو أُتيحت له القدرة على الكلام.
خيبات الحياة إلى المسرح
بعد أن عبر محطّاتٍ حياتيّة متناقضة، بين أفراح عابرة وانكسارات موجعة، اختار الكاتب والممثّل الشاب تحويل معاناته إلى فعلٍ فنّي ينبض بالأمل.
يؤمن جو الخوري أنّ خلف كلّ خيبةٍ، بذرة رجاء، وأنّ في كل موتٍ نفسي، يكمن احتمال ولادة جديدة، لا للجسد، بل للروح الباحثة عن معنى وسط الفوضى.
هكذا، يجسّد الخوري تلاقي الفنّ بالحياة، بتجربةٍ شخصيّة عميقة على خشبة المسرح، مازجاً بين الكوميديا والدّراما في عملٍ مونولوغيّ استثنائي، عن طريق سردٍ يلامس جوهر الوجود الإنسانيّ.
احتفاء بالأمومة
اختار صاحب "بالسّابع" أن يوجّه تحيّة عميقة لكلّ امرأةٍ تحمل في رحمها حياة. فالمسرحيّة ليست مجرّد سردٍ لرحلة الحمل، بل تأمّل درامي في التحوّلات الجسديّة والنّفسيّة الّتي تعبرها المرأة، من لحظات الفرح العارمة إلى دروب الخَيبة والانكسار.
وفي حديثه إلى "نداء الوطن"، يوضح الخوري أنّه أراد إبراز الدَّور الخلّاق والأساسي للأمّ، فيجسّد تأثير مشاعرها المتقلّبة على تكوين الجنين نفسه، مشيراً إلى أنّ الأم لا تمنح الحياة فحسب، بل تشكّلها في صمت الرّحم منذ اللّحظة الأولى. بذلك، ترتفع المرأة الحامل في هذا العمل من حاضنة بيولوجيّة فحسب، إلى خالقة أولى، تؤثّر على الفرد حتى قبل أن يبصر النّور.
المسرحيّة إذاً، دعوة للتّأمّل في تلك المرحلة التي غالباً ما تُختزل ببُعدها البيولوجي، بينما هي، في حقيقتها، لحظة فلسفية كبرى يصير فيها تشكيل الإنسان واقعاً.
فلسفة الشّخصيات
وفي الحديث عن "بالسّابع"، يكشف لنا مؤلّفها ومؤدّيها، عن بُعدٍ فلسفي عميق يكمن خلف الشّخصيّات التي يجسّدها. على رأسها شخصيّة الجنين داخل رحم والدته. جنينٌ نابض بالحياة رغم كلّ ما يحيط به من توتّر خارجي، يتأثّر بمشاعر أمّه، بحزنها، بقلقها، لكنّه – وبفطرته الأولى – ينجذب للّعب، للضّحك، وللاستمتاع بما يختبره في هذا العالم النّاشئ، كأنّه يصرّ على أن يحتفي بالحياة ببراءةٍ وروح طفوليّة يمتاز بها الصّغار.
لكنّ المفارقة الّتي يطرحها الخوري، تكمن في أنّ الجنين الذي يجسّده، ليس مجرّد كائن جديد على الوجود، بل هو تجلٍ لرجلٍ سبق أن عاش ومات، ثم تقمّص من جديد في هذا الجسد الآخذ بالتكوّن. رجلٌ عاش حتى البلوغ، واختبر الحياة بكلّ تناقضاتها وثقلها، ثم عاد إلى الرّحم محمّلاً بذاكرة التّجربة. وهكذا، لا يبدو الجنين صفحة بيضاء خالية من التجارب بالكامل، بل تطلّ من داخله ملامح نضج وتوجّس وألم سابق. إلّا أنه في عمره الطفولي البريء، لا يزال يملك تلك القدرة الفطرية على الفرح رغم الألم.
في هذا المشهد الفريد، تتداخل الأزمنة داخل كائنٍ واحد، ويغدو الرّحم أكثر من مجرّد حيّز بيولوجي، بل مسرحاً داخليّاً تتصارع فيه الأعمار والذّكريات، وتتناوب فيه الحيوات لتعكس الفوارق بين البشر بحسب تنوّعهم "العمري".
شباب وأمّهات
وسّع جو الخوري دائرة جمهوره في مسرحيّته لتشمل فئاتٍ متعدّدة، مستهدفاً شرائح متنوّعة من المجتمع. فهو يتوجّه أولاً إلى فئة الشّباب، من خلال التّحدث عن تقنيّات تكنولوجيّة معاصرة، تتماشى مع اهتمامات الجيل الرّقمي، ما يمنح العرض بُعداً حداثيّاً يلامس لغة العصر، أو من خلال شخصيّة الرّجل الذي توفّي وتقمّص في جسد الجنين، حاملاً معه ذاكرة حياة مليئة بتجارب الشباب، وعبثهم، وقلقهم، وأسئلتهم.
وفي الوقت ذاته، يخاطب الخوري وجدان الأمّهات وكلّ من اختبرت تجربة الحمل والولادة، عبر معالجة عاطفيّة دقيقة لما تمرّ به المرأة من تحوّلات نفسيّة وجسديّة تؤثّر على كيانها الجسدي والرّوحي، وعلى تكوين طفلها.
بهذا، لا تقتصر المسرحيّة على مخاطبة فئةٍ دون أخرى، بل تُقدَّم كمرآة يتأمّل فيها الجميع ذواتهم، من موقعهم العمريّ والتّجريبي والجندريّ.
"بالسابع"، كتابة وتمثيل جو الخوري، إخراج ميراي بانوسيان. من 12 إلى 15 حزيران 2025 على "مسرح المونو - ACT" الساعة 7:30 مساءً.

