سردية أدبية ذات رؤية فلسفية

"دفتر الزيداني" رواية لنديم نجدي

8 دقائق للقراءة

صدرت أخيرًا رواية نديم نجدي، "دفتر الزيداني"، عن "دار سائر المشرق". هي ليست رواية بالمعنى التقليدي، بل مزيجًا من سردية أدبية خاصّة ذات رؤية فلسفية فينومينولوجية، تتراوح فيها الأمكنة والأزمنة والشخصيات بحسب ما يرمي إليه صاحب الرواية: من تمرير رسائل مشفرة إلى كلّ الأيديولوجيين، أولئك الذين كان ينتمي إليهم في يوم من الأيام، إلى سخرية من عبثية القدر التي قد تحوّل أحد البليدين إلى بطل جبّار. تتخلّل الرواية حبكات متنوّعة وتنساب أحداثها بأسلوب بلاغيّ متماسك البنية في حبكة درامية مشوّقة، ذات عمق فلسفيّ – نفسيّ يخاطب ذات القارئ ويجعلها في مواجهة صعبة مع أسئلة مستعصية حول الوجود والموت، والحرية والحبّ والخوف والكراهية والجبن والانكسار. تنشر "نداء الوطن" بعضًا منها.  

مضتْ عشرة أيام على نازحين تكدَّسوا في غرف استأجرها محظوظون فازوا بسبق الوقت، في حمأة الطلب المتزايد لآلاف العائلات على شقق آمنة في المناطق المسيحية. أما المعدمون، ومَن لم يكن بوسعه توفير مبلغ إلى ما بعد غده، فلم يكن لديهم غير الطرقات وساحات عامة، افترشوها بانتظار مساعدة جمعية خيرية، تُحرِّكها الشفقة. لم يفكِّر سليم قطّ بأنّ محرِّكات المجتمع المدني تتريَّث بالإشفاق على الضحايا، تلتفت إليهم لمَّا يصير التغاضي عن القتل يضاهي فعل القتل. كما لو أنّ الحكومات الغربية تتنصّل ممّا يرتكبونه عبر إعانات الجمعيات المانحة التي تساعد الضحية، بقدر ما تُساند حق المرتكب في التنكيل بضحاياه. تحوَّلت المدارس إلى مراكز إيواء بالسرعة التي قضت أن يُحشر في الغرفة الواحدة ثلاثون نفرًا، فرّوا من حمم صواريخ الطائرات الإسرائيلية.

والحرب ليست إلا ترجمة لصراع الصحراويين مع قدر ولادتهم في الصحراء. أفضى بهم القحط إلى رفع شعارات سياسية عن خيار اشتراكي تنعدم ظروفه في خلاء قفر، لا ملاذ فيه غير الحرب... إلى أن يأتي الخلاص ممّا لن يتخلّصوا منه قط، طالما أنهم صحراويون...!

تُخفي الصحراء تشويقًا مقلقًا. فالقفر والمدى والصمت والاتساع، أَيْقظوا توجسًا دفينًا عند سليم من متلازمة الامتداد الصاخب للبحر القريب من منزله؛ مع فارق أنّ خواء الصحراء يُخفي عجقة أسرار عن كائنات متصالحة مع بيئتها، تتنفس الرمل وتتغذى على ما يُعاند لهيب حرّ لَـدَغَ سُحنة الصحراويّين بسمرةٍ لامعة. تُبيِّن أجسادهم النحيلة ما يشفطه القحط والحرّ، في بيئة تفرض على قاطنيها تقشفًا دهريًّا، يرسم وجوهًا مستطيلة، ويحفر فيها عيونًا صغيرة تقدح قساوة في تعامل الصحراويّ مع نفسه. وأنوفهم كذلك، تجدها مزمومة بما يفي غرض استنشاق القليل من غبار الرياح الخمسينية.

ولا يحتاج الناظر في المدى القاحل، إلى الكثير من الفراسة كي يتلمّس عناد الرؤوس المتحاملة على نفسها؛ وإلا ما كانت لتحيا في مناخ لا ينبت فيه غير الرمل. يتزيَّن الرجال بالعباءة التقليدية ويتلثمون بالكوفية البيضاء لمَّا يخرجون من الخيمة بثلاث أذرع من القماش الأبيض، يعقدونه دائريًّا فوق رؤوس تخالها تستتر من عيب ارتكبوه، أو تَخَفّ من جريمة نفّذوها. أما النساء فيَلتحفن بأقمشة ملوَّنة، ويَتبرَّجْن بزخرفات الحنَّة على أياديهن وفوق أظافرهن، تباهيًا بأنوثة تائهة في مهبّ صحراء شاسعة. ولا تسأل القاطنين في لهيب قفر حارق عن سرّ غواية نساء خانعات لأوامر سلطة ذكورية، كرَّسها الجهل بِعلَّة السلطة أكثر فأكثر. والمصيبة الكبرى إذا ما تمرَّدت المرأة على قدر ولادتها أنثى، خُلقت لتخدم الرجل، وتُنجب له ابنًا.

أحسَّ سليم، لأول مرة، بالتحرُّر من وصاية الوكلاء على عقله. صار بمقدوره أن يتوسَّل الكلمة سبيلًا للتسلية. لم يتذكر، بعد مدّة من الزمن، أيّ شيء عمَّا سُمِّيَ بالصراع المنسيّ في الصحراء الغربية، غير الشعور بالحزن والكمد لمقتل الفتاة. علقت في ذهنه صورة أقمشة كثيرة فوق أجساد نحيلة، تمشي مع بنادقها بغية الثأر من قدر ولادتها في هذا القحط الأصم.

لم ينسَ سليم تفاصيل سهرة صاخبة، ساعة أتاهم "نبيل شحادة" بوجبة خبريات دسمة، أثارت لهفة كل الحاضرين لمّا قال: "رأيت شخصًا ملثَّمًا بكوفية سوداء يتسلل إلى بيت "غنوة المعراج". حصل هذا في أثناء عودتي من سهرة لعب ورق شدّة في بيت "جعفر الأخرس". فبينما كنت راجعًا عند الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليلة الفائتة، رمقتُ خيالًا يندسّ في عتمة الزاروب الذي يُفضي مباشرة إلى باب بيت الأرملة غنوة. خفتُ للوهلة الأولى، قبل أن أتنحّى وأختبئ خلف حائط "حاكورة الرشبيني"، إلى أن صرتُ بوضعية تتيح لي أن أسترق النظر لأتحقق ممّا لم أرَ منه سوى عتمة دامسة. تآكلتني تهيؤات كثيرة، أهو قاتل أم لصّ أم عشيق؟... لا أدري. تشوُّش ذهني، خاصة وأنّ زوجها مات قتلًا بحادث غامض، لم يفت عليه أكثر من شهرَين. وجدوه مقتولًا بطعنات سكّين في محلّة الكرنتينا وأُقفل التحقيق ضد مجهول... انتظرتُ مع أني كنت أرتجف من البرد أو من الخوف لا أدري. سمعتُ تأوهات عميقة، وأنتم أدرى...!! فسكينة الليل تحجبُ ما تفضحه الأصوات. عرفتها... كانت هي، أنا متأكد من أنها غنوة. فلتت منها ضحكة أكَّدت شكّي".

أراد سليم أن يقرأ، من بعدها، كلّ الكتب المصفوفة في مكتبة أخيه بترتيب مُلفت، يَشدُّ الفرجة على ما لا يهم محتواه عند الطامحين لأن يصيروا مثقفين. "قُلْ لي كيف ترتِّب مكتبتك... أقل لك مَـنْ أنت". ولا أدري لماذا لا يأبه المثقفون الحقيقيون باقتناء الكتب ولا بترتيبها، بعكس ما هو عليه حال منتحلي الصفة. فالقراءة تحتاج إلى جلادة فضوليّ لديه حساسية مفرطة، لا إلى نضال الكسلانين. فالمثقّف يتسلّى بمراقبة وجوه الرافضين لتمرُّده الثوريّ. ولكي تصير شيوعيًا يلزمك القليل من المعرفة، والكثير من التباهي بالعصبة الحمراء، مع شتم الخالق بذريعة تحقيق عدالة أرضية، من شأنها أن تُقسِّم ثروة الأغنياء، وفق حسبة، أثارت تهكُّم الحاج أبو فهد على الرفيق أنيس، لمَّا التحق بصفوف "الحزب الشيوعي"، ضد أصوله الطبقية، بعد أن كان يتحدّر من عائلة إقطاعية، أبًا عن جدّ. لكنها باعت أرضها لفلّاحي الضيعة. لقد بعثروا أموالهم وممتلكاتهم على ملذاتهم، فتبدَّدت ثروتهم وصاروا فقراء جدًّا.

"لو بتطقّ يا أنيس لن تسترجع أرض النباعة وأنا حيّ. لقد اشتريتُها بعرق جبيني. اشتغلتُ من طلوع الفجر حتى طيز النجر. كنت أستفيق قبل شروق الشمس في مقلع الحجارة كي أتملّك قطعة أرض، باعها أبوك في صالة قمار، فوصلتْ إليَّ من تاجر سمسار. ولمّا خسرتموها "صرتوا تلفّو وتدورو. قال شو شيوعيّة واشتراكية". ما دفعتموه على لذائذكم لن تستردوه عبر فذلكاتكم الكلامية. بعتم أرضكم لتتنعموا بالنسوان وبأكل اللحم، ولما فرغت جيوبكم قمتم باستدارة طبقية، لتشاركونا ما بعتمونا إياه... قال اشتراكية"...!!

ونظرًا إلى فداحة ما تفوَّه به أبو هدير من كلام رجعي، يصبُّ في خدمة الإمبريالية العالمية، تداعى الرفاق، على عجل، لعقد اجتماع حزبيّ طارئ، تقرَّر فيه مقاطعة دكّان أبو هدير لأنه يخدم الأعداء. لقد غُـرِّر به، فراح يثرثر بصغائر تعرقل حركة الصراع الكوني ضد الرأسمالية. كانت للخلية الحزبية صلاحيات مطلقة في تقرير مصير الخائن، كما المُناصِر، فلم تقتصر مهمّاتها على تزويج الرفيقة سهيلة، وهي بعمر السادسة عشرة، من الرفيق نسيم للملمة فضيحة حبلها. فالخلاف على حصّة الحاجّة أم كامل من شجرة الزيتون المزروعة في الرجمة التي اشتراها أبو منير، يتطلّب مفاوضات شاقة، وثلاثة اجتماعات حزبية لإقناع الرفيق كامل بضرورة الترفّع عمَّا يضرّ بسمعة الحزب ودوره البنَّاء في إدارة الشأن العام.

وخلصوا إلى تسطير المحضر التالي:

"تحية رفاقية وبعد...، بعد أن توفرت لدينا معطيات جديدة عن القضية، مِن كلا الطرفَين المتخاصمَين، وبَعد النظر في أبعاد الأسلوب الاستفزازي والمشبوه لأبو منير، ومراميه غير البريئة من أجل توريط الرفيق كامل في خلاف أهليّ، غايته النيل من أهداف الحزب النبيلة، تمّ اقتراح تسوية تشاركية لقطف الزيتونة المتخاصَم عليها، مداورةً، موسم لكل طرف...! وفي حال رفض أبو منير هذه القسمة العادلة تتأكد لنا النوايا المبيَّتة لمؤامرة، تُحاك خيوطها ضدّ حزبنا في أروقة الدوائر الرأسمالية وعبر أذنابهم المحليّين. ولثنيه أكثر، قرَّرت المنظمة الحزبية تطليق ابنته بُثينة من الرفيق بهيج، كخطوة أولى في مواجهتنا لكل من تُسوِّل له نفسه النيل من سمعة الحزب".

انقطع زيداني عن الكلام فجأة، فاستفاق سليم من سهوه عن النظر في وجه، رآه يمتقع باصفرار غريب، صيَّره التخالط مع الأخضر بلون يتعذَّر أن تراه في وجه أي مِن الأحياء. اعتدل بؤبؤ عينه اليمنى لمّا انقلبت اليسرى إلى البياض. واختفى حَـوَله إلى أن صار كما لو أنه سيزفر شهقته الأخيرة، لكنه انتفض فجأة مستجمعًا بقاياه ليرمي عن روحه تلبُّدًا، يُعرقل تحليقها خفيفة من الأوزار التي يحتفظ بها الأحياء عادة، لسبب لم يعد له من موجب في لحظة الأُفول الأبدي.



غلاف الكتاب