في أعقاب الغارات الجويّة الإسرائيلية الأخيرة على ضاحية بيروت، تردّدت في آذان اللبنانيين أصداء مألوفة، كان من بينها بيان المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، الذي وصف تلك الغارات، التي وقعت ليلة عيد الأضحى، بأنها "إبادة علنيّة للسيادة الوطنية". كما أعاد النائب حسن فضل اللّه، عن "حزب اللّه"، التذكير بالبيان الوزاري، مشيراً إلى أنه "تحدث بالترتيب عن حماية السيادة اللبنانية، وإعادة الإعمار، وتولي الدولة حماية حدودها، وردع المعتدي... وصولاً إلى البنود المتعلقة باستراتيجية وطنية وكيفية الاستفادة من المقاومة". غير أن هذا الخطاب يتجاهل واقعاً راسخاً، وهو أن الدولة اللبنانية تخلّت، منذ زمن، عن جوانب أساسية من سيادتها لصالح "حزب اللّه".
إن التذرّع بالسيادة عقب الضربات الإسرائيلية يُعدّ موقفاً أدائياً لا مبدئياً، ولا يصمد أمام التدقيق في ضوء مفهوم السيادة لمؤسسه الفعلي جان بودان. فقد اشترط بودان وجود سلطة عليا واحدة داخل الدولة، لا يمكن لأي جهة أن تتجاوزها قانونياً، معتبراً السيادة غير قابلة للتجزئة أو التصرّف، قائمة على سيطرة الدولة على أراضيها واحتكارها الاستخدام المشروع للقوة.
بالتالي، عندما تُطلَق تصريحات مُندِّدة بالضربات الإسرائيلية على الضاحية، في سياقات يُستنكر فيها المسّ بالسيادة الوطنية من قِبل أطراف لا يمارسونها فعلياً، فإن هذه الازدواجية تُضعِف الموقف المعياري للبنان في المحافل الدولية. لأننا أمام حالة من "السيادة الانتقائية"، حيث يُستحضَر المفهوم كأداة للاتّقاء من المساءلة الخارجية، أكثر مما يُستخدم كتعبير عن رقابة داخلية أو ممارسة فعلية لمسؤولية الدولة.
فلا يمكن لأي طرف أن يُندّد بـ "انتهاك السيادة"، في الوقت الذي لا يعترف فيه باحتكار الدولة استخدام القوة، أو بتحكّمها في إدارة العلاقات الخارجية، وهما من الشروط الجوهرية للسيادة. ألم يُشر فضل الله إلى أن البيان الوزاري يتحدث عن "تولي الدولة حماية حدودها وردع المعتدي"، ثم يُسرع إلى إدخال "المقاومة" كجزء من هذا الدور، في محاولة لإقناع الرأي العام بأن المقاومة لا تزال جزءاً من استراتيجية الدولة؟
في الواقع، يكشف هذا التوتّر عن مفارقة سيادية كامنة في صلب المشهدين السياسي والأمني في لبنان. فمن جهة، يلوّح لبنان بمبدأ السيادة لإدانة انتهاكات مجاله الجوي؛ ومن جهة أخرى، يُظهر قدراً كبيراً من التساهل إزاء نشوء بُنية عسكرية موازية داخل أراضيه. بُنية لا تكتفي بالتصرّف بمعزل عن مؤسسات الدولة، بل تنخرط أيضاً في أنشطة تُسهِم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الانتهاكات ذاتها التي يُعترض عليها اليوم.
لنأخذ على سبيل المثال ما تمّ تداوله بشأن وجود مواقع سرّية لتصنيع الطائرات المُسيّرة يُديرها "حزب اللّه". هل تُخفى هذه المواقع عن الدولة اللبنانية لأنها غير مرئية، أم لأنها محجوبة بفعل موافقة ضمنية أو نتيجة عجز السلطات الرسمية عن التحرّك؟
باختصار، لا تكمن القضية الأساسية في العدوان الإسرائيلي بحدّ ذاته، ولا في مظلومية لبنانية متكرّرة، بل أيضاً وبالدرجة نفسها من الأهمية في تآكل احتكار الدولة اللبنانية حق استخدام القوة، وهو إحدى الركائز الجوهرية للسيادة التي يُطالِب باحترامها أولئك الذين كانوا سبباً في تقويضها. كما لا يُمكن للبنان الاستمرار إلى ما لا نهاية في هذا النمط المزدوج: سيادة تُرفع شعاراً في الخطاب، ونقص فادح في الممارسة على الأرض. فإمّا أن تُعيد الدولة تأكيد سلطتها الكاملة على جميع الأنشطة العسكرية داخل حدودها، وإمّا أن تقبل، ضمناً أو علناً، بأن تتولّى أطراف أخرى اتخاذ القرارات الأمنية بالنيابة عنها.
ذلك أن السيادة، ببساطة، لا يمكن ممارستها بشكل انتقائي؛ فهي سلطة عليا، ثابتة، ودائمة، لا تقبل التقاسم أو الخضوع. وهذا ما يتناقض بوضوح مع واقع "حزب اللّه"، الذي لا يكتفي بتجاوز مؤسسات الدولة، بل يقيم تحالفاً استراتيجياً مع دولة أجنبية ذات سيادة هي إيران، ما يعني عملياً ازدواجاً في مراكز القرار، وتداخلاً مباشراً بين السيادة الوطنية وأجندات خارجية. وهذا التعارض يمسّ جوهر المفهوم الكلاسيكي للسيادة كما صاغه جان بودان، والذي شدّد على أن السيادة لا تخضع لأي سلطة أخرى، داخلية كانت أم خارجية.
وحتى يحين موعد استرجاع الدولة سيادتها، فإنّ كل ضربة جديدة، وكل إدانة جديدة، وكل تصعيد جديد، لن يؤدّي سوى إلى ترسيخ الحلقة المأسوية ذاتها: دولة تُعلن السيادة، لكنها تتنازل عن جوهرها.