في زوايا طرابلس القديمة، تختبئ حكايات عمرها قرون، وكنوز معمارية تقاوم النسيان. لكنها اليوم تواجه خطر الانهيار بصمت. فهل يُترك التاريخ يندثر تحت غبار الإهمال؟
يقول المهندس المعماري وسيم ناغي لـ "نداء الوطن" إن "أهم المعالم التاريخيّة التي تحتاج اهتماماً في طرابلس بالدرجة الأولى، هي المدينة التاريخية المملوكية والتي يبلغ عمرها أكثر من 7 قرون والتي لم تأخذ حقها، حتى بمشروع الإرث الثقافي، ولا تزال على الرغم من كل التعديات والإهمال وأعمال الهدم التي أحاطت بها أيضاً، تحتفظ بأكثر من 70 % من نسيجها العمراني الأصيل ومن معالمها، كما تحتاج إلى تدخل طارئ بسبب وجود أجزاء متصدعة منها ومتهالكة بالإضافة إلى اهتمام اجتماعي، وبلدي، وأمني ووحدة إدارة خاصة وشرطة سياحية خاصة بها وتشجيع على مشاريع استثمارية في السياحة خصوصاً في موضوع الخدمات السياحية، واستقبال الزوار على مستوى المطاعم، وتأمين الإقامة على نسق بيوت الضيافة "GuestHouse"، مما يعزز الحركة فيها ويعطي قيمة أكثر للعقارات، مع العلم أن إحدى أكبر مشاكلها هي طبيعة الملكية العقارية التي يتشارك فيها عشرات ومئات الورثة، أو وجود حملات وقفية. كل ذلك يصعب التعامل معها ولكن بالدرجة الأولى يجب أن يتم التدخل على المستويين الاجتماعي والاقتصادي داخل المدينة للنهوض بها لنصل إلى السياحة".
يؤكد ناغي أن تلك المعالم الأثرية "مدرجة أيضاً على اللائحة التمهيدية للتراث العالمي، واستكمال إدراجها، وإعداد الملفات اللازمة، وتأمين إدارة التراث في المدينة أمور تزيد من فرصها لتزدهر سياحياً".
ناغي وفي حديثه عن غنى طرابلس بالأماكن الأثرية التاريخية يشرح أنه في الدرجة الثانية، يأتي معرض رشيد كرامي الدولي والذي يجب العمل على تأمين بنى تحتية سياحية له لتتضمن الزيارة إليه جانباً تعريفياً، وإعداد "أدلة سياحيين" لتوجيه الناس وتعريفهم بالمكان، وذلك ينطبق على المدينة التاريخية. وهنا يبرز دور وزارة السياحة بإعداد منشورات عن الأماكن التراثية، وخرائط ليتم تزويد السياح بها وتسهيل زيارة تلك الأماكن، كذلك تفعيل تلك النشاطات على وسائل التواصل الإجتماعي لما لها من دور وتأثير على من يشاهدها".
أما بخصوص الاستراتيجيات للحفاظ على التراث الثقافي والمعالم التاريخية، يقول ناغي إنها "تتطلب تدخل قطاعات عدة في الدولة للتعاون والنهوض، ووضع خطة ما بين وزارات الاقتصاد، والسياحة، والثقافة تقوم على دمج مجموعة من النشاطات تساهم بتحريك العجلة السياحية، فالسياحة صناعة وتتضمن استثمارات، تدرّ الأموال للدولة، وذلك يتطلب خبرات وثقافة".
وبالنسبة للترويج السياحي يضيف ناغي أنه "ضمن صلاحيات وزارة السياحة التي من المفروض أن يتواجد لديها برامج تتعلق بذلك من خلال إعداد برامج تعريفية، فالسياحة في بلدنا تتطلب عنصر الجذب وهو موجود في طرابلس، لكن ما ينقصنا هو وجود فنادق لاستقبال السياح. أما بالنسبة إلى المطاعم فهي موجودة بكثرة، مما يوجب تشجيعاً على الاستثمار في ما يتعلق بالفنادق وبيوت الضيافة".
ويشرح ناغي أهمية الترويج إعلامياً للمدن والآثار التاريخية الموجودة في طرابلس لكسر الصورة السلبية عن المدينة، حيث تأتي في المرتبة الأولى بحسب قوله، مدينة طرابلس التاريخية، ثانياً مدينة الميناء والواجهة البحرية، وثالثاً معرض رشيد كرامي الدولي بما يشكل من مثال للحداثة، ولكن المدينة بمعظم شوارعها كالزهرية، وشارعي عزمي والتل، والكورة أيضا تتمتع بأهمية تراثية وتاريخية لما تختزنه من إرث ثقافي وعناصر جذب سياحية لا يستهان بها".
يختم ناغي بالقول: "طرابلس المدينة الأغنى في لبنان على مستوى التراث المبني، ومستوى السياحة الثقافية، لكنها تحتاج إلى خطط يتشارك فيها القطاعان العام والخاص، فالعام يروّج ويخطط، والخاص يبادر ويستثمر لنستطيع فعلًا القول إننا انتهينا من الكلام وبدأنا الفعل وذلك يحتاج بالتأكيد إلى ضبط الأمن، وتنظيم الفوضى والمخالفات، وأعمال التشبيح وخصوصاً في المناطق الرخوة والتي للأسف تقع المناطق التراثية جميعها على تخومها، كذلك ضرورة وجود بلدية نشيطة تستطيع مواكبة كل ما يحدث، فالبلدية هي الحكومة المصغرة في طرابلس والأكثر تأثيراً ومعرفةً بتفاصيل المدينة وكيفية تخطيط المشاريع وتنفيذها".
تمتلك طرابلس كل عناصر الجذب الثقافي والسياحي، لكنها تحتاج إلى قرار، وإلى شراكة جدية بين الدولة والقطاع الخاص. ما ينقصها ليس الإرث بل الرؤية، لا المواقع بل الإدارة.