ريتا عازار

التلفزيون زمان: عندما أكل الولد في التابوت (2من 2)

تفاصيل صغيرة صنعت ضحكاتنا وذاكرتنا الكبيرة

6 دقائق للقراءة

للتلفزيون المحليّ فضل كبير في تكوين ذاكرتنا البصرية والوجدانية. كان يجذبنا بأجمل المسلسلات والأفلام الأميركية والفرنسية، من "بايتون بلايس" الذي لا أذكر منه سوى اسم البطلة "أليسون"، مروراً بـ "ليندا إيفانس" و "ذا بيغ فالي"، وقبلها "بوننزا" وموسيقاه الشهيرة، و "ران تان تان" و "طرزان" مع "جاين" و "شيتا"، و "نانو" و "ليتل هاوس أون ذا بريري"، إلى "إيت إز إناف"، وكمّ هائل من الذكريات التي شكّلت رأسي ورؤوساً كثيرة أخرى.



مسلسل "أخوت شاناي". أذكر أننا كنّا نجتمع كلّنا لنشاهد "حسن من شاناي" يملأ الماء بالسلّة في مقدّمة المسلسل الذي كتبه أنطوان غندور. حلقات ساحرة بظرفها وسخريتها وانتقادها اللاذع. نبيه أبو الحسن كان استثنائيّاً بخفّة ظلّه. كنت أقلّده عندما أخاطب أمي، فأصرخ على طريقته: "إمييي يا إمييي" (مع تشديد الياء وتسكين الألف). أمي، بدلاً من أن تردّ عليّ، كانت تقهقه… وتقهقه… وتقهقه! حسن ابن اسكندريي من شاناي لا يزال في بال كلّ من تابع قصّته. نبيه عاش على مجد هذه الشخصية اللمّاحة – الغبيّة ظاهرياً، لكنها في العمق ذكيّة وخبيثة أحياناً. شخصيّة "أخوت شاناي" التلفزيونيّة ستبقى من أجمل الشخصيّات في الذاكرة، في ذاكرتي وذاكرة كثيرين غيري.


ولا أنسى إحدى الحلقات، وكان فيها فيليب عقيقي يؤدّي دور رجلٍ سكّيرٍ طريف، وهو وزوجته كبيران في السن. وعندما يشرب، كان يصرخ من قلبه "مرتي غرناطة مستقيمة!"... كم أضحكتنا هذه العبارة، وكم أضحكت أمي! كانت أيّاماً لا تُنسى…


وكانت أيام


مسلسل "كانت أيام"، كلّ حلقة منه كانت تتناول قصّة أغنية من التراث. كتبه أيضاً أنطوان غندور بِرَوعة، ونسج منها قصصاً موجعة عن الحرب، الجوع، الفراق، والحبّ المستحيل، و "سكابا يا دموع العين سكابا".


الحزن في تلك الحلقات كان كثيراً. لن نسافر اليوم إلى الأبواب التي خلفها وجع، لكن سنتذكر "ع العميّم ع العمام بيضا وشقرا، يا سلام!"، وما فعلَته تلك الشقراء في القرية. كانت تلعب دَور الشقراء اللعوب، الحلوة ميشلين ضوّ، أخت الممثّلة ليلى حكيم. يا الله كيف قامت قيامة النساء على أزواجهنّ الذين ذابوا بلونها الثلجي وشعرها الأشقر!


الضيعة بألف خير


من أنطوان غندور إلى يوسف حبشي الأشقر، كم كان حظّنا جميلاً ونحن نتابع مسلسله "والضيعة بألف خير". قصص من القرى، تمتدّ على حلقة أو اثنتين أو ثلاث، لا يمكن أن تُمحى من الذاكرة.


ثلاث حلقات لا تغيب عن بالي أبداً: "على فراقك يا جليلة"، "عُطْرش"، و "طلعت دقن ابنك ليش هي بتطلع؟" (التي كنّا نطلق عليها نحن حلقات: "الدكتور طوني")


في "طلعت دقن ابنك..." أو "الدكتور طوني"، نظرة ثاقبة لحال عائلة قروية ترسل ابنها لدراسة الطب في الخارج. انتظَروه طويلاً، وحين عاد، استقبلوه بالطّبل والزّمر… فإذا به منزعج و "جرّصنا قدّام المعازيم"!.


ومن هنا، انطلقت المشاكل في قالب مضحك، موجع، وحقيقي جدّاً. ولا تزال صورة قدم "الدكتور طوني" وهي "بوجه رئيس البلدية" شاخصة في عيني، كما في عينَي والدَي الدكتور. وفي حلقة "على فراقك يا جليلة"، تحكي القصّة موت الوالدة جليلة، والابن فيليب عقيقي، أحد وجهاء القرية سابقاً، وقد تدهورت حالته الماديّة. باع أرضاً كي يقيم مراسم الدفن بـ "دعوات للمطارنة والأخويات وبساط الرحمة". ثم يأتي سليمان الباشا كأنه إبليس ليحمّسه:


"ما رح تشتّي الدني، وحِطّ بحصة بوجه كل أهل الضيعة!". المفارقة؟ هطلت الأمطار، و "انفخت الدفّ"، وتفرّق الناس. ماتت جليلة، ودفنت معها الأرض، بينما ارتدى أحفادها المعاطف القديمة… واحد لبس معطف والده، والثاني معطف أخيه!


أما حلقة "عُطْرش"، مع ليلى حكيم، وإيلي صنيفر، وفيليب عقيقي، فهي عن الطمع. ولطرافتها، لُقِّبت إحدى صغيرات العائلة باسمها لسنوات، على سبيل المزاح! ولا أنسى حلقة زواج "اثنين من مهابيل القرية"!

لا أحد كتب عن القرية بعمق وطرافة كما كتب يوسف حبشي الأشقر.


شوشو و "اللوبيه"


لطالما عشقت شوشو… وكم بكيت ذاك التشرين من العام 1975، عندما علمتُ أنه رحل. كنت صغيرة، وكم يضحكني عندما أتذكر رسالته إلى والدته: "ماما، هاتي إيدك لبوسها... كِلّا لوبيه؟... طيّب اعطيني ايدك التانيي!".


في مسلسل "المشوار الطويل" المأخوذ عن قصة لمارسيل بانيول، والذي لبننه فارس يواكيم، شوشو الكوميدي حتى العظم والتراجيدي حتى النخاع، لم يقل أحد مثله وبطريقته وهو يقرأ ويقبّل رسالة ابنه الغائب في البحر: "بابا... يا بابا".


طلاق فارس ونجود


ومن المواقف التي لا تمحى من البال، ما حصل عندما كان أهل إحدى القرى اللبنانية يتابعون مسلسل "فارس ونجود". سميرة توفيق سمراء البادية، والممثل الأسمر محمود سعيد، ألهبا مشاعر الناس. أحدهم، حين طُلِّق فارس من نجود، كسر شاشة التلفزيون، حرفيّاً!. وفي "مذكّرات ممرّضة" مع الجميلة إلسي فرنيني، والممثل وراقص الباليه جورج شلهوب، تابعنا قصة قرّبت بينهما كما قرّبتهما إلى المشاهدين.


"روبورتاج" ونجيب حنكش


وبرنامج "هذا الأسبوع" مع كميل منسّى، و "روبورتاج" الصبي الذي يأكل العروس… في التابوت!. كان والده صاحب محل توابيت، فجلس الصبي يأكل فيه، متفوّقاً بذلك على سارة برنار، التي كانت تنام فيه فقط!


ولا أنسى نجيب حنكش ظريف لبنان، وعشقه لفيروز، ورَفْض عاصي أن يقبّل حنكش جبينها حتى بعد قوله "تقبرني". رياض شرارة من بعده بدّل الكلمة إلى "سامحونا"، كي يفتح الباب للقبلات على الهواء!


قبلة حنكش لصباح؟ كانت تردّ عليها بضحكتها التي لا تُنسى. أما طروب، فإذا أطلّت بفستان بفتحة دائرية على صدرها، كان حنكش يصيح بأعلى صوته: "يقبرني مطار بيروت الدولي!". وكم كانت تضحك نهى الخطيب سعادة، مذيعته المرافقة، التي كانت – مع زميلاتها – تلمّح دائماً إلى بخل "الظريف".


ولا تزال نكتة من نكاته متداولة إلى اليوم في بيتنا:


– "شو طابخين اليوم؟"


– "نهار نجومية ونهار مقضية!"


النجومية: ماء مع نقط زيت، والمقضية: بلا ولا شي!


في ذلك الزمن، كان التلفزيون ضيفاً عزيزاً ننتظره كل مساء. نجتمع حوله كما يجتمع الأهل حول زائر قادم من بعيد، نحدّق فيه كأننا نحدّق في مستقبلنا، أو ماضينا الذي لم نعشه، أو في أحلام معلّقة بين بيروت وباريس وهوليوود وقرى الجبل. كنّا نصدّق كلّ ما نراه.


صدّقنا أنّ "طرزان" أقوى من الوحوش، وأنّ "جاين" تحبّه ربما لأنه لا يلبس قميصاً. صدّقنا أنّ "شوشو" هو الحقيقة، وأنّ نبيه أبو الحسن يسكن فعلاً في الزاوية المقابلة من شارعنا، وكنت أحلم أن يملأ سلته من عين قريتنا. وكم ضحكنا على حال ابن "جليلة"، وعلى "الدكتور طوني" الذي جاء من بلاد الفرنجة ليحرج أهله بقميصه المفتوح وصراحته الزائدة.


كل مشهد شاهدناه في تلك العلبة العجيبة، تحوّل ذاكرة جديدة نضيفها إلى رؤوسنا الصغيرة، التي لم تكن تعرف الحرب، لكنّها عرفت كيف تحبّ وتنتظر وتقلّد وتضحك. كنّا نحزن، نضحك، نتحمّس، ثم ننام… والتلفزيون يضيء وحده، مثل بطل لا تغلق الستارة عليه أبداً، وفي البال الكثير الكثير، لكن "غرناطة المستقيمة" فات وقت ولادتها.