على سطح الأزمات المتناسلة فوق ساحات الشرق الأوسط، تعود اليوم المسألة النووية الإيرانية إلى الواجهة، بعدما قرَّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المعروف بميله الطبيعي إلى مواجهة الأزمات وحلِّها جذريّاً بدل اعتماد أنصاف الحلول التي تؤدي إلى تفاقمها مع الزمن، نقل هذه المسألة من مراحل الغموض والمراوحة والتسويف، إلى البحث عن حلّ جذري لها، يُنقِذُ الشرق الأوسط على الأقل من أخطار سباق تسلُّحٍ نووي، مع ما ينتج من هذا السباق من كوارث إنسانية، قد لا تقتصرُ على حدوده الجغرافية. فما هي المسألة النووية الإيرانية؟ وما هي الحلول المطروحة لها؟
قبل الدخول إلى جوهر المسألة النووية الإيرانية، يُستحسنُ معرفة الوضع النووي في العالم. هذا الوضع تحكمه ثلاثة سقوف:
السقف الأول، التخصيب بنسبة 3.70 في المئة ويُستخدم لإنتاج الطاقة الكهربائية.
السقف الثاني، التخصيب بنسبة 20 في المئة ويُستخدم في المجال الطبي.
السقف الثالث، التخصيب بنسبة 94 في المئة ويُستخدم في المجال العسكري، كسلاحٍ قد يؤدي إلى تدمير الحضارة الإنسانية في ما لو أسيء استخدامه.
ونظراً لخطورة تقليب واستخدام النووي، حتى تحت سقفيه الأدنيين الأول والثاني لإعداده للاستخدام في مجال الطاقة والطب، عُقِدت معاهدات دولية أممية لمنع استخدامه كسلاح والحدِّ من انتشاره، كما عُقِدت اتفاقات لاحقة تُحدِّد كيفية تصنيع الذرة المرتبطة بإنتاج الطاقة والاستخدام الطبي، وألحقت هذه المعاهدات والاتفاقات ببروتوكولات ملزمة أشدّ صرامةً، بهدف ضبط المادة والسيطرة عليها، وإخضاعها لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقعت على هذه المعاهدات والاتفاقات والبروتوكولات معظم دول العالم ومن ضمنها إيران، للتقيُّد ببنودها حفاظاً على السلامة البشرية، وتتلخصُ بـ:
- اتفاقات الحدِّ من الأسلحة النووية التي يملكها الخمس الكبار (موسكو، واشنطن، باريس، لندن وبكين)، بحيث منعت بقية دول العالم من العمل على امتلاك هذا السلاح. لكن بعض الدول الأخرى نجحت سرّاً في الوصول إلى النووي العسكري (باكستان، الهند، كوريا الشمالية وإسرائيل) علماً أن هذه الأخيرة لم توقِّع يوماً على أي اتفاقٍ يمنع انتشار السلاح النووي أو البروتوكولات ذات الصلة.
- السماح لمعظم دول العالم الراغبة في إنتاج الطاقة، بالتخصيب بنسبة 3.70 في المئة ولكن بشروطٍ قاسيةٍ جدّاً وتحت إشراف ومراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وهكذا نجدُ أن عدداً غير قليل من دول العالم، ينتج الطاقة من النووي، بإشراف الوكالة التابعة للأمم المتحدة.
- السماح لمعظم دول العالم، بالتخصيب حتى 20 في المئة للحاجات الطبية، وبالطبع تحت رقابة وإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لذا نجد أن كثيرة هي دول العالم التي تنتج هذه المادة وتبيعها في الأسواق الدولية. وقد سبق للأرجنتين أن باعت حوالى 10 كيلوغرامات من اليورانيوم المخصّب بنسبة 20 في المئة إلى إيران التي استفادت منه واستهلكته في مؤسساتها الطبية طيلة 15 عاماً. وهنا يُطرح السؤال: إذن ما هي المشكلة النووية مع إيران؟
في الأساس وقعت إيران على كل المعاهدات والاتفاقات والبروتوكولات والالتزامات الدولية المتعلقة بتخصيب اليورانيوم وشروطه. لكنها لم تطلب يوماً من الوكالة الدولية للطاقة الذرية المساعدة والإشراف على برنامجها النووي، أسوةً ببقية دول العالم المنتجة للطاقة، تطبيقاً للاتفاقات المعقودة مع الأمم المتحدة، بينما تبيّن أنها باشرت في إنشاء المعامل السرّية، والبحث في التخصيب بمساعدة عبد القدير خان، أبو القنبلة النووية الباكستانية. ويوم اكتشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مخالفات إيران النووية قبل أكثر من عقدين، بدأ الصراع بين إيران والأسرة الدولية حول عدم قانونية برنامجها النووي، واتهِمت بأنها تعمل سرّاً لتخصيب اليورانيوم لأهدافٍ عسكرية. وتأكدت هذه التهم بالعناصر الآتية:
- اعتماد التخفّي والسرّية والغموض بعدم الإفصاح مسبقاً عن برنامجها النووي.
- بناء منظومة صاروخية استراتيجية بعيدة المدى، وهي تُعتمدُ عادة لحمل رؤوس نووية.
- ضبط مخالفات داخل منشآتها تصبُّ في اتجاه الصنع العسكري من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
- تبدُّد انتشار منشآتها النووية وسريتها.
- تعمُّد قيام بعض هذه المنشآت في باطن الجبال بعيداً عن إمكانيتي الرقابة والتدمير.
- المعلومات الموثوقة التي تنقلها منظمة "مجاهدي خلق" الإيرانية التي تستقي معلوماتها من الداخل الإيراني.
- المعلومات الواردة من أجهزة الاستخبارات الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.
- التلاعب بأجهزة المراقبة والتصوير التي تضعها الوكالة الدولية داخل المنشآت بالاتفاق مع إيران لمراقبة نشاطاتها.
- اغتيال بعض علمائها النووييين في طهران.
- فرار بعض المسؤولين العسكريين والمدنيين الإيرانيين العاملين في البرنامج النووي الإيراني، ونقل معلوماتهم عنه إلى الجهات الغربية.
- ضبط أجهزة طرد ملوثة ذريّاً ومستخدمة سابقاً، تبيّن من عناصر التلوّث أنها استخدمت سابقاً في إنتاج السلاح النووي الباكستاني.
- ضبط مخالفات عديدة إيرانية من قبل مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية المشكل من 35 دولة عضو في الوكالة.
لم تحلّ الاتفاقية المعقودة عام 2015 بين الرئيس الأميركي باراك أوباما وإيران، المسألة النووية الإيرانية بشكلٍ جذري، إنما اكتفت بشراء الوقت، عندما نصّت على تجميد التخصيب لمدة 10 سنوات تنتهي عام 2025، يمكن لإيران بعدها أن تعود إلى التخصيب، مع أنها لم تتوقف يوماً عن ذلك خلال الاتفاق. لذلك أقدم الرئيس ترامب خلال ولايته الأولى على إلغاء الاتفاقية وإعادة إخضاع إيران للعقوبات.
بدورها، حاولت الدول الكبرى الخمس زائداً ألمانيا، إيجاد حلّ لهذه المسألة، بنقل الكميات الإيرانية المخصبة فوق 3.70 في المئة إلى فرنسا أو روسيا، وإعادتها إليها مخصبة بنسبة 20 في المئة لاستخدامها في المجال الطبي، إلّا أنها رفضت تسليم الكمية المخصبة لديها بالكامل خوفاً من عدم إمكانية استرجاعها، وانتهت المفاوضات بالفشل.
تزعم إيران اليوم، أنها تجاوزت بالتخصيب عتبة الـ 60 في المئة، أي أنها أصبحت قريبة من الرقم 94 في المئة. فهل هذا الرقم صحيح؟
البرنامج النووي الإيراني سرّي حتماً، ومخالف لكل الاتفاقات والبروتوكولات التي سبق ووقعت عليها إيران. لكن أرقام نسب التخصيب المتداولة في وسائل الإعلام قد تكون غير دقيقة، لأن تضخيمها أو تخفيفها قد يخدم خصوصاً مصالح أحد الجانبين المتواجهين مباشرة إيران وإسرائيل، سواء في مفاوضات الأولى حول برنامجها النووي، أو في تعزيز تبريرات الثانية لضرب البرنامج النووي الإيراني. لأن إسرائيل تروِّجُ إعلاميّاً منذ عقدين، من دون إثباتات حسيّة، أن إيران تقترب من العتبة العسكرية ومن صنع قنبلة نووية، لتبرير ضرب برنامجها النووي. فإلى أين تصل المفاوضات الحالية، غير المباشرة، بين واشنطن وطهران؟
الجانب الأميركي يطالب اليوم إيران في المفاوضات بالموافقة على "صفر تخصيب". لكن هذه العبارة حمّالة أوجه في المفاوضات الدبلوماسية. فإذا كان المقصود بها منع إيران من تخصيب اليورانيوم، حتى في سبيل إنتاج الطاقة الكهربائية، فلا يجوز منعها من ذلك، لأن هذا التخصيب يبقى حقاً من حقوقها وفقاً للمعاهدات الدولية، ولكن بشرط أن يكون التنفيذ بإشراف مباشر وصارم من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكن العبارة تتضمّن حكماً منع التخصيب فوق الـ 3.70 في المئة، إذ سبق لإيران، في مفاوضاتها مع الخمس زائداً ألمانيا، أن وافقت على إرسال مخزونها الفائض عن سقف الطاقة، إلى فرنسا أو روسيا وإعادته إليها مخصباً حتى 20 في المئة، لكن الخلاف حصل على وتيرة النقل والإعادة.
ويبقى التخصيب فوق الـ 20 في المئة وصولاً إلى النووي العسكري، مرفوضاً ليس من قبل إسرائيل والولايات المتحدة فقط، إنما من دول أعضاء النادي النووي الأساسي الخمس، بالإضافة إلى معظم دول الشرق الأوسط، حتى لا تدخل المنطقة في سباق تسلّحٍ نووي يؤدّي حتماً إلى كوارث إنسانية. ويبقى السؤال لماذا تُصرّ إيران على امتلاك سلاحٍ نووي؟
الأسباب التي تدفع بالدول إلى حيازة سلاح نووي، غير متوفرة لدى إيران. فليس لإيران أرض محتلة تضغط بهذا السلاح لاسترجاعها، كما هو التوازن الحالي بين الهند وباكستان. وإيران ليست دولة فقيرة لمقايضة "النووي بالرغيف"، كما هي الحال لدى كوريا الشمالية، فإيران تمتلك الثروة الغازية الثانية والنفطية الرابعة في العالم. وإيران ليست محاطة بجيرانٍ أعداء، كما هي الحال في إسرائيل، التي تدّعي بأن امتلاكها للسلاح النووي هو بمثابة "بوليصة تأمين على الحياة". أضف إلى ذلك كلِّه أن النووي يمكن منع استخدامه من قبل دول ديمقراطية، كما هي الحال بين الهند وباكستان، لكن أن يكون هذا السلاح بيد دولة دينية متطرّفة غير ديمقراطية يحكمها رجال دينٍ لهم فلسفتهم الخاصة، فهذا أمرٌ بالغ الخطورة على السلام والأمن الدوليين. لذا، لم يبق أمام إيران من أسباب لامتلاك سلاحٍ نووي، سوى الضغط على جيرانها وفرض هيمنتها عبر أذرعها العسكرية في الإقليم وصواريخها البعيدة المدى، الأمر الذي ترفضه القوى الإقليمية والأسرة الدولية، لأنه يدخل منطقة الشرق الأوسط في الفوضى والدمار المتبادل.
المفاوضات غير المباشرة، الدائرة بين واشنطن وطهران، تقود حتماً، إمّا إلى ترويض طهران للتقيّد بالشروط القاسية جدّاً، التي قد تفرضها واشنطن على برنامجها النووي، وإمّا إلى تدمير منشآتها النووية. والتهديد العسكري الإسرائيلي بضرب المنشآت النووية الإيرانية، قد يذهب في هذا المنحى التصعيدي، للضغط على إيران والقبول بالشروط الأميركية المطالبة بتفكيك برنامجها النووي سلماً أو تدميره.
فهدف المفاوضات إذاً، بتأييد إقليمي ودولي عارمين، منع إيران من امتلاك سلاحٍ نووي والعودة إلى التقيّد بشروط الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أسوة بكل دول العالم، فإذا رفضت الإستجابة للطلب، يبقى السؤال: هل تملك الولايات المتحدة الأميركية ومعها إسرائيل، القدرات العسكرية لتدمير منشآت إيران النووية، خصوصاً تلك التي تحظى بحماية جغرافية في باطن جبال إيران؟
سئل أحد المحلّلين الإسرائيليين على إحدى الفضائيات العربية قبل أكثر من عام: "يُقال إن إيران قادرة على امتلاك قنبلة نووية في غضون سبعة أيام". فأجابه المحلّل مبتسماً: "إذن عليك أن تسألني قبلها في اليوم السادس ماذا ستفعل إسرائيل".
طبعاً تمتلك واشنطن وتل أبيب الآلة العسكرية لضرب منشآت إيران النووية وتدميرها، وإعادتها لعقودٍ إلى الوراء إذا فشلت المفاوضات. ويبقى السؤال الذي يحلم به نتنياهو منذ عقدين عندما كان يسأل ويُلح: "إلى متى يؤجِّل شارون ضرب منشآت إيران النووية"؟! فهل يمكنه فعل ذلك لوحده؟
لا تمتلك إسرائيل حجم العتاد والأسلحة والذخائر التي يمتلكها الجيش الأميركي عددياً، لكنها تمتلك كل أنواع الأسلحة المتطورة لدى هذا الجيش، وإيران أقرب إلى إسرائيل من اليمن، كما تمتلك غواصات ناشطة في بحر العرب محمّلة بالأسلحة التدميرية، ولديها وسائل مهمّة لنقل وحدات برية خاصة إلى أرض المعركة وإجلائها، بالإضافة إلى إمكانياتها الإلكترونية اللامحدودة القادرة على تعطيل وتعمية نظام القيادة والسيطرة في إيران، كما تعتبر نفسها مطلقة اليدين بعدما أمَّنت جبهتها الشمالية في سوريا وتحرّرت من عبء صواريخ "حزب الله" الإيرانية. بالإضافة إلى كلِّ هذه الإمكانات المتعددة، فقد تجترح مفاجآت عملانية خارجة عن المألوف كما يحصل عادة خلال الحروب عبر التاريخ. أمّا الأخطر في العقل الإسرائيلي، أن تل أبيب تعتبر النووي الإيراني بالنسبة إليها بمثابة "حياة أو موت". وهذا ما قد يدفعها إلى التفرّد بضرب المنشآت النووية الإيرانية، بصرف النظر عن النتائج القصوى العسكرية والسياسية مع الولايات المتحدة الأميركية، إذا ما رأت أن مصالحها الأمنية مهددة في الإقليم.
العقل "الترامبي" يبحث عن الحلول الجذرية لكل المعضلات، هو لا يقبل بالتسويف والمماطلة والغموض والمراهنة على الوقت. فالمفاوضات مع إيران تقود حتماً وسريعاً إلى أحد حليّن: إمّا موافقة إيران على الشروط الدولية لتعود ببرنامجها السلمي إلى حضن الأسرة الدولية، وإمّا رفض هذه الشروط وتحمّل ردود الفعل العسكرية التدميرية لمنشآتها النووية بمباركة ضمنية دولية. فإيران تجد نفسها اليوم بين حلّين أحلاهما مرّ: الترويض أو التدمير.
عميد ركن متقاعد