الدكتور دريد بشرّاوي

دولة قانون ومحاسبة أم دولة مزرعة؟

9 دقائق للقراءة

شهد لبنان صراعات مسلّحة دمويّة عديدة بفعل وصايات واحتلالات أجنبية، فلسطينية، سورية وإيرانية، تخلّلتها فترات انحلال لدولة القانون والحق والسيادة، لتحلّ مكانها منظومة القتل والاغتيالات السياسية والخطف والاختفاء القسريّ والتعذيب، وفبركة ملفّات قضائية ومحاكمات جنائية مركّبة وصوريّة. ورغم تمكّن الدولة اللبنانية من استعادة دورها من حين لآخر تحت رعاية أو وصاية سورية أو إيرانية أو دولية، لم يبادر المسؤولون المتعاقبون فيها إلى وضع نظام محاسبة لتحقيق العدالة وإنصاف ذوي الضحايا، بل كانوا يعملون على إصدار قوانين عفو وخلق العوائق لمنع سبل محاسبة المجرمين التابعين لهم والفاسدين وسارقي المال العام والمتورّطين في أعمال القتل والخطف والتعذيب والاضطهاد السياسي والتوقيفات التعسّفية وحرمان الحرية القسريّ وغير القانونيّ للعديد من الناشطين السياسيّين السياديّين. وما حدث في السابع والتاسع من آب سنة 2001 من اضطهاد سياسيّ دمويّ وتعسفيّ على يد أجهزة النظام السوري السفّاح والأجهزة اللبنانية التي كانت تعمل تحت إشرافه وبإمرته لخير دليل على ذلك.  



 استمرار الانتهاكات وحملات الاضطهاد وخروقات حقوق الإنسان  

إلى ذلك، تواصلت حملات اضطهاد اللبنانيّين حتى بعد انسحاب قوات الاحتلال السوري من لبنان في نيسان 2005، إثر اغتيال الشهيد رفيق الحريري. فاغتيل العديد من المسؤولين، من صحافيّين وسياسيّين وناشطين، وأُخضع البعض الآخر لكافة أنواع التعذيب والاضطهاد السياسي والخطف والاختفاء القسري. وما اختفاء جوزف صادر القسريّ في مطار بيروت إلا برهان ساطع على ما كان يجري من انتهاكات فاضحة لحقوق الإنسان في ظلّ غياب تامّ لسلطة القانون والعدالة، حيث فرضت قوى الأمر الواقع، عبر تنظيمها المسلّح، وصاية إيرانية عسكريّة وسياسيّة شاملة على كل لبنان.


وفي ظلّ تقهقر دور الدولة وهيبتها لصالح الدويلة، ارتكبت جريمة تفجير مرفأ بيروت المروّعة التي تسبّبت في سقوط أكثر من مئتي شهيد وفي تدمير قسم كبير من العاصمة بيروت وفي تهجير آلاف العائلات. وتمّ اغتيال العديد من السياديّين الأحرار المعارضين للوصاية الإيرانية، وعلى رأسهم لقمان سليم وهاشم السلمان والياس الحصروني وباسكال سليمان وغيرهم كثيرون. ونُكّل بعدد آخر وهُجّر من هُجّر إلى الخارج. يضاف إلى ذلك وضع اليد على أموال المودعين اللبنانيين في المصارف وتهريب قسم كبير منها إلى خارج لبنان بصورة غير شرعية. هذا عدا عن انتشار ضروب الفساد وتبييض الأموال والإتجار بالممنوعات والمخدّرات وتصديرها إلى بلدان صديقة، ونهب أموال الخزينة العامة على يد أعوان وشركاء بعض المسؤولين في الدولة، رعاة كافة أعمال الفساد ونهب المال العام منذ أكثر من أربعين سنة. ولا ننسى طبعاً حالة استشراء الفساد والرشوة وسرقة الأموال العامة في صفوف بعض كبار موظفي الدولة من ضباط ومديرين عامين وقضاة وغيرهم، ممّن جمعوا ثروات طائلة هُرّبت إلى الخارج دون أي محاسبة أو مساءلة تذكر، في حين أن رواتب هؤلاء لم تتجاوز الثلاثة آلاف دولار شهرياً. فمن أين كان لهم كل هذا؟


ورغم كلّ هذه الانتهاكات البشعة، وكل ما حصل من تغييرات دراماتيكيّة وعسكريّة تدميريّة نتيجة لحرب الإسناد التي فرضتها جماعة الأمر الواقع على لبنان، وانتخاب رئيس جديد للبلاد وقيام حكومة جديدة منذ ستة أشهر، لم تبادر السلطة التنفيذية الحالية بعد إلى وضع آلية قانونية وعملانية شاملة لمحاسبة المجرمين والفاسدين وسارقي الأموال العامة والمتورّطين بالأعمال الجنائية المذكورة أعلاه، حتى إن التحقيق في جناية تفجير مرفأ بيروت لم يتقدّم قيد أنملة، ولم يتمّ توقيف أيّ متورّط في هذه القضية الخطيرة، هذا مع العلم أن التحقيق كان قد بدأ منذ أربع سنوات. يزاد على ذلك ما يتعرّض له حالياً بعض الصحافيين وأصحاب الرأي الحر المعارضين لقوى السلاح غير الشرعي من مضايقات وقمع لحرية الرأي واتهامات بالعمالة وتوقيفات اعتباطية منافية للمواثيق والعهود الدولية المعنية بحماية حقوق الإنسان.



 المحاسبة ليست عدالة انتقاميّة وإنما عدالة انتقاليّة واجبة

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أن من واجب الدولة، بعد كلّ نزاع أو اقتتال أو حالة تفلّت ضربت المجتمع، أن تقوم بإنشاء نظام قضائيّ جديد مقبول لمحاسبة المجرمين والفاسدين وأولئك الذين تورّطوا في الصراع أو في عمليات القتل والخطف والتعذيب والنهب والفساد في كافة أشكاله. ولا يجوز أن تُفهم هذه الخطوة على أنها عدالة انتقاميّة، وإنما عدالة انتقاليّة واجبة ومشروعة كردّ اجتماعيّ على انتهاكات حقوق الإنسان الممنهجة. ومن دون أن تمثل في حدّ ذاتها شكلاً خاصاً من أشكال الردّ الانتقامي، تتوافق قاعدة المحاسبة الجنائية مع جهود العدالة - على المستوى الجنائي - والتحوّل الديمقراطي بعد الأزمات السياسية الكبرى. ويُدرج هذا المسار في إطار نظرية العدالة الانتقاليّة، كما ينطبق على سياقات ما بعد الحرب التي يمكن أن تكون صراعات أهلية، مثل تلك التي حدثت في رواندا ويوغوسلافيا السابقة، أو حروباً بين الدول حيث تمثلت العدالة الانتقالية بعد الحرب بإطارين نظريّين متميّزين لكن متوافقين: المحاسبة وإعادة الإعمار، ويهدفان إلى مواجهة الصعوبات التي تنشأ بعد الحروب، سواء أكانت أهلية أم بين الدول. ولا تفترض العدالة الانتقالية فقط وضع آلية جديدة للمحاسبة والمساءلة بعد الحرب، وإنما أيضاً إعادة البناء المجتمعي والسياسي دون الرجوع إلى المجموعة الكاملة للمفاهيم المعيارية التي تشكّل أسس المحاسبة وقواعدها القانونية.



التوفيق بين هدفين مستقلّين: المحاسبة والاستقرار الاجتماعيّ

تتعلّق سبل المحاسبة بالقيمة المعيارية للتوفيق بين هدفين مستقلّين ومكمّلين، العدالة الجنائية وإعادة البناء المجتمعي والسياسي. من ناحية، تطرح مسألة المحاسبة الجنائية مشكلة عواقب الصراع من حيث القانون والالتزامات الأخلاقية، ولا سيّما العقوبات الجنائية ضد مرتكبي الجرائم. من ناحية أخرى، تطرح العدالة الانتقالية المشكلة من حيث الخروج من الصراع المشروع والمقبول من قبل جميع الأطراف. ويقتضي، لهذه الناحية، أن تأخذ العدالة الانتقالية في الحسبان ليس فقط ضرورة المحاسبة الجنائية العادلة والاقتصاص من الفاعلين المذنبين، وإنما أيضاً أوضاع الضحايا وذويهم ومطالب التعويض عن الضرر الذي لحق بهم من جرّاء الجرائم المرتكبة، وكذلك جهود التحوّل الديمقراطي والتوازن السياسي، دون اعتبار مجريات العدالة هذه متناقضة مع متطلبات الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي، إذ لا سلم أهلياً واستقرار اجتماعياً من دون إرساء وتطبيق قواعد محاسبة ومساءلة عادلة في المجتمع.



عدم جواز تخيير اللبنانيين بين العدالة والسلم الأهلي

لذلك لا يجوز تخيير اللبنانيين بين المحاسبة العادلة والسلم الأهلي كما يطرح بعض المسؤولين، إذ يتوجّب على الدولة وضع آلية محاسبة مرضية ومتوازنة تفترض التوفيق بين هذين المعيارين. ويذكر، على هذا الصعيد، أن السلم الأهلي يوجب وضع أسس محاسبة عادلة قائمة على فرض مبدأ العقاب والثواب وحماية مصالح المجتمع والأفراد وتأمين أمن الأشخاص والموجودات ومحاسبة الفاسدين والمفسدين والمجرمين، أكانت الجرائم المرتكبة جرائم فردية أم جرائم منفّذة بقرار مجموعات خارجة على القانون أو إرهابية ومخرّبة. بعبارة أخرى، الجرائم المرتكبة خلال الحروب تُعزى إلى كلّ من مسؤولية المجموعة، كمجموعة، والأفراد، ما يعني أنه على الدولة محاسبة ليس فقط الأفراد عن مسؤولياتهم الفردية، وإنما أيضاً المجموعات المنظمة واعتبارها كمجموعات أشرار خارجة على القانون، ما يؤدي إلى عدم اضمحلال المسؤولية الفردية في المسؤولية الجماعية، وإلى فهم الطرائق الاجتماعية والسياسية والترابط بين هاتين المسؤوليتين.



وضع آلية للمحاسبة حاجة اجتماعيّة ماسّة

وبناءً على ما تقدّم، لا يمكن الخروج من الأزمة الحالية إلّا بإيجاد آلية للمحاسبة وبوضع حدّ لمرور الزمن على الدعوى العامة وإطالة مدده، وذلك بهدف إرساء عدالة انتقالية ضامنة وموثوقة. وهذا ما حصل خصوصاً لإعادة تأهيل البلدان التي كانت في السابق تحت سيطرة وحكم أنظمة ديكتاتورية أو حكومات أو مجموعات مسلّحة وإرهابية. وغالباً ما كانت ترتبط توجّهات المحاسبة الجنائية الانتقالية بلجان الحقيقة والمصالحة، مثل تلك التي تمّ تنظيمها في جنوب أفريقيا بعد التخلي عن سياسة الفصل العنصري، وفي أميركا الجنوبية (في الأرجنتين وتشيلي وغواتيمالا وبنما وبيرو والسلفادور)، وفي أفريقيا (في المغرب ورواندا وليبريا وسيراليون). فلا قيام لدولة لبنانية عادلة ولعهد جديد فعّال ومنتج سياسياً وقضائياً وإدارياً واجتماعياً من دون وضع آلية محاسبة جنائية ومدنية وإدارية جديدة لمساءلة ومحاكمة كلّ المتورّطين، مجموعات وأفراداً، بكل الجرائم والانتهاكات المرتكبة. ولا قيام أيضاً لهذه الدولة ولمستقبل يعمّه الأمن والسلام والازدهار من دون إنصاف الضحايا وذويهم ومداواة مآسيهم وجراحهم النفسية والتعويض عليهم وتنقية الذاكرة اللبنانية من كل الشوائب والرواسب التي ما زال الشعب اللبناني يدفع ثمنها حتى اليوم آلاماً نفسية وذكريات مأسوية وخوفاً على المستقبل وهجرة.


خطاب القسم لرئيس الجمهورية والبيان الوزاري لحكومة الرئيس سلام أغدقا على اللبنانيين وعوداً رنّانة، ولكن حتى الآن وبعد ستة أشهر مضت على بداية العهد الجديد لم تتمّ محاسبة أي مسؤول ولم يلق القبض على أي متورّط. فأين نحن إذاً من المحاسبة العادلة ومن تطبيق قواعد المساءلة والعقاب وتأسيس دولة الحق والقانون؟ أين نحن من تطبيق هذه القواعد الأساسية لقيام الدولة؟ كيف يمكن لدولة الحق والقانون أن تستقيم والعديد من المتورّطين المجرمين الذين كانوا في مواقع أمنية وإدارية وحتى سياسية ما زالوا يرتعون ويمرحون ويتولّون مسؤوليات سياسية وإدارية وتمثيلية من دون أي حساب وكأن شيئاً لم يكن؟ ألم يحن الوقت بعد لإرساء قواعد المحاسبة والمساءلة ولبناء دولة القانون مكان دولة المزرعة؟


أستاذ القانون الدولي الجنائي في جامعة ستراسبورغ- فرنسا
مستشار في المحكمة الجنائية الدولية- لاهاي
محامٍ عام أسبق في فرنسا وفي المحكمة الدولية الخاصة بلبنان- لاهاي