أُنشئ لبنان من أجل المسيحيين، لا ليكون دولة مسيحية أو وطنًا يهيمن فيه المسيحيون على الآخرين، بل لأن المسيحيين أرادوا وطنًا يستطيعون فيه أن يعيشوا أحرارًا، ويحافظوا على هويتهم وتراثهم، ويشاركوا بكرامة وثقة في صناعة مستقبلهم.
في محطات مصيرية من تاريخنا، كان بإمكان المسيحيين السعي إلى إقامة دولة أصغر تتمحور حول المناطق التي كانوا يشكّلون فيها أكثرية ساحقة، لكنهم اختاروا لبنان الكبير، وقبلوا بوطن أوسع وأكثر تنوعًا وطموحًا، يتشاركونه مع المسلمين ومع جميع المكونات التي أصبحت جزءًا من الجمهورية اللبنانية.
لقد اخترنا الشراكة لأننا آمنّا بأن المسيحيين والمسلمين، رغم اختلافهم في الإيمان والثقافة والتجربة التاريخية، قادرون على أن يبنوا معًا تجربة استثنائية في هذه المنطقة.
واليوم نقول لشركائنا: لا تجعلونا نندم على هذا الخيار، بأن تطلبوا من المسيحيين الاختيار بين الشراكة والحفاظ على هويتهم، أو بأن تسمحوا للتحولات الديموغرافية بأن تتحول إلى أداة للهيمنة السياسية، أو بأن يُطلب من أي مكوّن لبناني التخلي عن ثقافته أو حريته أو كرامته لكي ينتمي إلى هذا الوطن.
لقد اخترناكم شركاء لنا، وما زلنا نؤمن بهذه الشراكة، لكن الشراكة الحقيقية تقتضي المعاملة بالمثل، والاحترام المتبادل، والإقرار بأن لبنان ليس للمسيحيين أكثر بسبب دورهم التاريخي في إنشائه، كما أنه ليس للمسلمين أكثر بسبب الأرقام والتحولات الديموغرافية.
لبنان لكل لبناني بالتساوي
ولذلك، فإن لبنان الذي نطرحه ليس مسيحيًا ولا إسلاميًا، بل هو لبناني، بهوية وطنية أغنتها الحضارات والأديان والثقافات التي تعاقبت على هذه الأرض وأسهمت عبر التاريخ في تكوين شخصيتها.
فلا يجب أن يصبح المسيحي أقل مسيحية لكي يكون لبنانيًا، ولا المسلم أقل إسلامًا، ولا أن يتخلّى الأرمني عن تراثه، كما يجب احترام من يؤكد انتماءه إلى الثقافة العربية بقدر احترام من يؤكد انتماءه إلى تراثه السرياني-الآرامي أو الفينيقي أو المتوسطي.
هويتنا الوطنية المشتركة هي اللبنانية، واختلافاتنا تغني هذه الهوية ولا تنتقص منها.
وهذا اللبنان يجب أن يكون سيدًا ومحايدًا، يحافظ على أفضل العلاقات مع العالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة والمجتمع الدولي، لكنه يرفض أن يتحول إلى ساحة لصراعاتهم، لأنه لا يحق لأي دولة أجنبية أو محور إقليمي أو تنظيم مسلح أو أيديولوجيا أن تحدد مستقبلنا أو أن تقرر متى يدخل لبنان الحرب.
ويجب أن تكون هناك دولة واحدة، وجيش واحد، وسلطة شرعية واحدة، وقرار وطني واحد للحرب والسلم، أصدقاء للجميع، ولكن ليس ساحة حرب لأحد.
كما يجب أن يكون لبنان لامركزيًا بطريقة تعكس تعدديته الثقافية والمجتمعية والإثنية، بحيث تتمتع مناطقه بصلاحيات إدارية وسياسية و مالية حقيقية تسمح لها بالحفاظ على خصوصياتها وتطوير نفسها وفق احتياجاتها، فيما تبقى السيادة والدفاع والسياسة الخارجية والحدود حصرًا من مسؤولية الدولة المركزية.
فاللامركزية ليست تقسيمًا، بل يمكن أن تكون وسيلة لحماية التنوع داخل وطن واحد موحد، وضمانة تحول دون استخدام أي أكثرية ديموغرافية للديمقراطية من أجل إعادة تعريف لبنان أو فرض هويتها على الآخرين.
لا يحق لأي مكوّن أن يهيمن على مكوّن آخر
ومن هنا، فإن رسالتنا إلى شركائنا المسلمين وإلى جميع المكونات اللبنانية واضحة: شاركونا في بناء هذا اللبنان.
لقد اخترنا الشراكة بدل الانفصال، واخترنا وطنًا مشتركًا حين كان بإمكاننا السعي إلى وطن أصغر خاص بنا، فلا تجعلوا الأجيال المقبلة تتساءل إن كان ذلك الخيار التاريخي خاطئًا، بل لِنُثبت معًا أنه كان الخيار الصحيح.
لقد اخترنا بعضنا بعضًا، فلنختر اليوم لبنان معًا، لأن اختلافاتنا ليست نقطة ضعف لبنان، بل هي جزء من فرادته ومن الأسباب التي تجعل منه وطنًا يستحق أن نحافظ عليه.
رئيس لجنة متابعة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الخاصة بلبنان