جنى جبّور

لا تمنعها... وجّهها

ألعاب الفيديو... مهارات خارقة بيد الأهالي الواعين

7 دقائق للقراءة

في زمن رقمي لا ينام، تجاوزت ألعاب الفيديو كونها مجرد هواية؛ لقد أصبحت عالماً موازياً يجذب المراهقين ويستهلك جزءاً كبيراً من وقتهم. ومع ذلك، هذه الشاشات المضيئة ليست مجرد مضيعة للوقت، بل تحتوي فوائد متنوعة يمكن أن تنمي مهارات حيوية وتصقل قدرات عقولهم الشابة. لذلك، من المهم ألا يتخذ الأهل موقفاً عدائياً تجاه هذه التكنولوجيا، بل تحمّل مسؤولية المراقبة لحماية أبنائهم ولا سيما من المحتوى العنيف والجنسي.



لا يمكن إنكار الفوائد المعرفية والاجتماعية لألعاب الفيديو حتى وإن كان ذلك لا يروق لبعض الأهالي؛ فالكثير منها مصممة لتحفيز التفكير الاستراتيجي ومهارات حل المشكلات، حيث يضطر المراهقون إلى التخطيط واتخاذ قرارات سريعة تحت الضغط. هذا ما تؤكده الاختصاصية في علم النفس العيادي والمعالجة نفسجسدية كارلا أوانيس راشد، مشيرةً الى أّنّ "هذا النوع من التحديات الذهنية يعزز الإبداع والتفكير المنطقي ويحسن سرعة رد الفعل والتنسيق بين اليد والعين.


كما تساهم الألعاب الجماعية، على وجه الخصوص، في صقل المهارات الاجتماعية؛ فعندما يتعاون المراهقون ضمن فريق لتحقيق هدف مشترك، فإنهم يتعلمون التواصل الفعال، وتحديد الأولويات، وروح التعاون. من دون أن ننسى أنّ هذه البيئة الافتراضية يمكن أن تكون متنفساً للمراهقين "لتفريغ طاقاتهم" والتخلص من التوتر. في المقابل، وعلى الرغم من الإيجابيات الواضحة، لا يمكننا تجاهل الجانب المظلم لألعاب الفيديو. يبقى خطر الإدمان هو الهاجس الأكبر. فقضاء ساعات طويلة في اللعب قد يؤدي إلى الانعزال الاجتماعي وفقدان الاهتمام بالأنشطة الحياتية الأخرى. ورغم الإشارة إلى أهمية اللعب الجماعي، إلا أن التفاعل مع الغرباء عبر الإنترنت قد يعرض المراهقين لسلوكيات غير مرغوبة أو عدوانية، اعتماداً على بيئة اللعبة والمجتمع الافتراضي فيها".



علامات الخطر


توصي الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال بأن يتراوح الحد اليومي المسموح به لوقت الشاشة للأطفال والمراهقين، بما في ذلك ألعاب الفيديو، بين ساعة وساعتين. تجاوز هذا الوقت قد يؤدي إلى عواقب سلبية مثل إهمال الأنشطة الاجتماعية ومشكلات في النوم. وهذا الأمر بديهي، اذا اعتبرنا أنّ الأطفال والمراهقين يقضون نحو 7 ساعات في المدرسة، فإن أي وقت إضافي أمام الشاشات سيؤثر سلباً على جوانب أخرى مهمة في حياتهم.


نكمل حديثنا مع أوانيس راشد متعمقين في علامات الخطر، وتلفت الى أنّ على الأهل الانتباه لبعض العلامات التحذيرية التي قد تشير إلى أن ألعاب الفيديو بدأت تسيطر على حياة المراهق. إذا كان ولدك يقضي ساعات طويلة في اللعب، أو يتجاوز القواعد المنزلية، أو يبحث عن طرق لزيادة وقته أمام الشاشة، فهذه إشارات تستدعي الانتباه. كذلك، يُعد القلق الشديد أو الغضب المبالغ فيه عند منعه من اللعب علامة حمراء. فقدان الاهتمام بالأنشطة الأخرى كالهوايات السابقة، التراجع الدراسي، العزلة الاجتماعية، وتفضيل اللعب على أي شيء آخر، كلها سلوكيات تستوجب التدخل. قد يصل الأمر إلى الكذب بشأن مدة اللعب، مما يزيد من تعقيد المشكلة".



السلوك العدواني


لعلّ أحد أكثر الأسئلة شيوعاً هو العلاقة بين ألعاب الفيديو والسلوك العدواني. فما رأي أصحاب الاختصاص؟ تجيب: "الألعاب ليست السبب المباشر للعدوانية؛ بل إن الأفراد الذين يظهرون سلوكيات عدوانية غالباً ما يكون لديهم عوامل مسبقة، مثل العيش في بيئة منزلية عنيفة، ضعف الصورة الذاتية، أو صعوبة في التحكم بالذات. ببساطة، ألعاب الفيديو قد تزيد من حدة هذه العوامل الموجودة مسبقاً، لكنها لا تخلقها من العدم في شخص لا يملك استعداداً لذلك.


تلعب رقابة الأهل دوراً حاسماً هنا، إلى جانب غياب الاضطرابات النفسية المسبقة، مثل القلق أو صعوبة التحكم في العواطف والسلوك. كما أن وجود رفاق وعلاقات اجتماعية صحية يقلل من المخاطر، بينما اللعب لفترات طويلة من دون قوانين واضحة يزيد منها". وتضيف: "لا شك أنّ الإفراط في اللعب، يقلل من فرص التفاعل الاجتماعي المباشر للمراهقين. هذا قد يسبب القلق عند مواجهة العالم الواقعي ويصعب اكتساب مهارات اجتماعية حيوية كالتعاطف، حيث تفتقر البيئة الافتراضية للمواقف الحقيقية التي تنمي هذه المهارات. كما أنها قد تقلل من القدرة على إدارة النزاعات والاستمتاع باللحظة".



الأداء الدراسي


لننتقل إلى علاقة الإفراط في ألعاب الفيديو بتراجع الأداء الدراسي. تقول أوانيس راشد: "ليس اللعب بحد ذاته السبب الوحيد، بل السلوكيات المصاحبة له. فقضاء فترات طويلة في اللعب، خاصة قبل النوم، يؤثر سلباً على جودة النوم بسبب الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الذي يؤخر إفراز الميلاتونين ويزيد من مستويات الأدرينالين، مما يصعّب الاسترخاء. هذا يؤدي بدوره إلى ضعف التركيز والإرهاق في اليوم التالي. كذلك، قد يدفع الإدمان بعض المراهقين إلى تأجيل المهام الدراسية لأن اللعب يصبح أولويتهم القصوى. كما يتأثر النشاط البدني والتغذية بشكل سلبي نتيجة لنمط الحياة الخامل المصاحب لساعات اللعب الطويلة".



احتواء لا حرب


في ظل هذا المشهد المعقد، لا يمكننا ببساطة محاربة التيار أو تجاهل حقيقة أن الشاشات وألعاب الفيديو أصبحت جزءاً لا يتجزأ من عالمنا. بدلاً من خوض حرب مع أبنائنا أو مع هذه التكنولوجيا، يجب أن نتبنى نهجاً قائماً على الاحتواء والتفهم؛ تنصح اوانيس راشد أن يتركز على التواصل المفتوح والصريح مع المراهقين، ومناقشة المخاطر المحتملة بلغة خالية من الاتهام أو اللوم. يجب أن نضع جداول واضحة ومحددة لوقت اللعب،مع مراعاة أيام الأسبوع، الإجازات، والعطل الصيفية. هذه الجداول يجب أن تكون مرنة وقابلة للتعديل، ولكنها في الوقت نفسه توفر الوضوح الذي يحتاجه المراهقون.


عندما لا يكون الأطفال متسمّرين أمام ألعاب الفيديو، أو في الأوقات غير المخصصة لها، يتساءلون: "ماذا نفعل الآن"؟ فكيف نجيبهم؟ توضح أنّ هنا يأتي دورنا كأهل في اقتراح أنشطة بديلة تثير اهتمامهم، ومحاولة اكتشاف ما يثير شغفهم. كما يعزز مشاركة الأهل في الأنشطة البديلة، وحتى في بعض الألعاب الجماعية غير الإلكترونية، الروابط الأسرية ويقدم بديلاً صحياً للشاشة.


أخيراً، إذا بدت كل هذه الخطوات غير مجدية، وظهرت علامات إدمان واضحة، فلا يجب التردد في طلب المساعدة المتخصصة؛ اذ أنّ التحدث مع اختصاصي نفسي يمكن أن يوفر الدعم والتوجيه اللازمين للأهل والمراهقين لتجاوز هذه المحنة. وتختم اوانيس راشد حديثها مؤكدةً أن الهدف الأسمى هو تحقيق التوازن الذي يمكّن المراهقين من الاستفادة من إيجابيات التكنولوجيا مع حمايتهم من سلبياتها، وتمكينهم من عيش حياة متكاملة وصحية.



هل يختلف التأثير بين الجنسين؟


يلجأ بعض المراهقين إلى ألعاب الفيديو كمهرب من أعراض القلق، الاكتئاب، أو الوحدة. لكن هذا الاستخدام المفرط لا يحل المشكلة، بل يفاقمها ويزيد من مشاعر الفراغ والعزلة على المدى الطويل.

أما التأثير بحسب الجنس، فاجتماعياً، تختلف الألعاب المفضلة؛ حيث تميل الفتيات تاريخياً لألعاب أقل عنفاً. مع ذلك، إذا اختارت الفتاة ممارسة ألعاب عنيفة كالذكور، فإن التأثيرات ستكون متشابهة تقريباً.



المحتوى العنيف والجنسي


لا تقتصر مخاطر ألعاب الفيديو على الوقت الطويل أمام الشاشات، بل تمتد لتشمل تأثيرات عميقة على سلوكيات وقيم المراهقين، خصوصاً عند التعرض للمحتوى العنيف والجنسي. يكمن الخطر الأساسي في احتمالية تقليد السلوكيات العنيفة أو الجنسية، مما قد يدفعهم لممارستها مبكراً. ومع تكرار التعرض لهذه المشاهد، يواجه بعض الأفراد صعوبة في التمييز بين الواقع والخيال. كذلك، يمكن أن تؤدي هذه الألعاب إلى التساهل مع القيم الأخلاقية؛ عندما يصبح العنف والمحتوى الجنسي جزءاً يومياً من تجربة اللعب، فإنه يُنظر إليه تدريجياً كأمر طبيعي ومقبول، مما يقلل من الشعور بالخجل أو الحرج عند الحديث عنه أو حتى ممارسته