أصاب البروفيسور والكاتب الأميركي ستانلي رنشون "عرين المعضلة" حين كتب أن المواطنة من دون انتماء عاطفي هي المقابل المدني لعلاقة عابرة لليلة واحدة. هذه هي حال المشاغبين الناقمين الذين أشعلوا قلب لوس أنجليس، لتلامس "ألسنة لهب" الاحتجاجات الهدّامة مدناً أخرى داخل ولاية كاليفورنيا وخارجها. هؤلاء الرعاع (المشاغبون لا المتظاهرون الحضاريون) هم مواطنون أميركيون ومهاجرون على السواء. انطلقت الشرارة في لوس أنجليس رفضاً لعمليات وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (آيس) ضدّ المهاجرين غير الشرعيين، القادمين بغالبيّتهم من المكسيك ودول أميركا اللاتينية. وكما جرت العادة مع أعداء "الحلم الأميركي" الذين لا يُخالفون التوقعات تجاههم أبداً عندما يفجّرون مكنوناتهم، تحوّلت نقاط تجمهرهم إلى ما يُشبه "ساحات حرب" أدخلت "مدينة الملائكة" ومعها البلاد في التجربة.
يُغامرون برحلات محفوفة بالمخاطر ليصلوا إلى "أرض المهاجرين" على أمل تحسين ظروف حياتهم. يبدأون مشوارهم في الولايات المتحدة بمخالفة القوانين بدخولهم بطريقة غير شرعية إلى البلاد. بعضهم صادق مع نفسه ويسعى إلى "فرصة ثانية" بعدما ضاقت به سبل الحياة، لكن بعضهم الآخر جاحد يريد فقط "الاستيلاء" على حقوق من دون القيام بأي واجبات. وبصرف النظر عن الصادقين والجاحدين، فإن المشكلة الأساسية تعود إلى موجات الهجرة الجماعية غير الشرعية التي لا تستطيع المجتمعات استيعابها. وما يحصل اليوم في شوارع لوس أنجليس وأخواتها شاهد على ذلك. إن أمثال الذين يعيثون بلوس أنجليس فساداً، إنما يُشكّلون خطراً وجودياً داهماً على المجتمع وقيمه ومستقبله.
ما يُثير غضب الأميركيين الملتزمين بالقوانين وجميع الذين ينتظرون دورهم بفارغ الصبر لدخول أميركا بطريقة شرعية وفتح صفحة جديدة في حياتهم، أن "عديمي الوفاء" كالذين يحطّمون وينهبون ويحرقون الأملاك العامة والخاصة في لوس أنجليس، حصلوا على "فرصة"، إن بطريقة شرعية أو غير شرعية، لا يستحقونها إطلاقاً، ويعمدون على تضييع فرصتهم وفرص غيرهم. فما معنى أن يتباهى مخرّب ملثم برفع علم المكسيك أو غيره من الأعلام الأجنبية، وهو واقف على سقف سيارة للشرطة أضرمت فيها "نيران الحقد" أو في وجه رجال الشرطة وسط الشارع في مدينة أميركية؟ وما المقصود تحديداً بدوس العلم الأميركي وإهانته والبصق عليه وحرقه والهتاف بشعارات "أنتي - أميركية" بحماسة قلّ نظيرها؟ وما الدافع وراء رشق عناصر إنفاذ القانون المحلّيين والفدراليين بالحجارة وأشياء أخرى وكأنهم أعداء يستحقون الموت؟
كيف يتصرّف مواطنون حصلوا على الجنسية أو مهاجرون يطمحون لاكتسابها بهذه الطريقة، ومن المفترض أنهم هربوا من "جحيم" بلادهم الأصلية للإنفصال عن ماضيهم المريع، وإذ بهم يحملون معهم كلّ "موبقاتهم" لإسقاطها بقلّة حياء على المجتمعات المضيفة. أمثال هؤلاء غافلون أو متغاضون عن "الأعطاب الجوهرية" التي أدّت إلى تدهور أحوال بلدانهم ودفعتهم إلى الهجرة بحثاً عن "فرص عمل" من دون أي نيّة بتغيير "عقليّتهم"، حيث تكمن المعضلة الحقيقيّة. هؤلاء هم أعداء الإنسان والحرّية. نعم، أعداء المجتمعات المضيفة و"الحالمين الحقيقيين" الذين هاجروا بلدانهم من أجل السعي نحو الأفضل أو يجهدون لتحقيق ذلك. إنهم أعداء المجتمعات الحرّة لأنهم حكموا عليها بـ "الإعدام" البطيء الناتج عن تسرّب "ذهنية سامة" تسهّل التطبيع مع "ممارسات فاسدة" كانت بالأساس أصل بلائهم.
يعطي المهاجرون غير المستحقين، من حيث لا يدرون، زخماً لحملة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضدّ الهجرة غير الشرعية، علماً أن أكثر مسألة يتمتع بها الرئيس الجمهوري بشرعية شعبية، مقارنة مع ملفات أخرى، هي قضية الهجرة وترحيل كلّ من لا يستحق الإقامة على الأراضي الأميركية. ويعتبر كثيرون أن جهود إدارة ترامب لترحيل المقيمين غير الشرعيين بطيئة وغير كافية لمعالجة هذه المشكلة الكبيرة والمتفاقمة التي تترك أثراً سلبياً في نواح مختلفة بالمديات القصيرة والمتوسطة والبعيدة. جعلت مشاهد الاضطرابات والفوضى والرذالة في لوس أنجليس، شريحة واسعة من دافعي الضرائب الأميركيين يطرحون أكثر من علامة استفهام حول وجود مثل هؤلاء "الكافرين بالنِعَم" على الأراضي الأميركية، ولسان حالهم يقول: "طالما تتفاخرون برفع الأعلام الوطنية لدولكم، لماذا لا تعودون إليها وتحاولون إصلاحها بدل تخريب بلدنا؟ لماذا لا تحوّلون هذه الضغينة الكاملة الدسم تجاه أميركا إلى محبّة فعلية ومنتجة لبلدانكم الأصلية بغية تحسين ظروفها؟".
لقد سئِم الأميركيون و"الحالمون" حول العالم من الغوغاء الذين يجلبون "التخلّف الثقافي والانحطاط الفكري" معهم إلى الولايات المتحدة، كما دول "العالم الحرّ"، فيُهدّدون بذلك مجتمعاً بأسره ويغلقون الطريق أمام الساعين نحو السعادة في "أرض الشجعان وموطن الأحرار". سيحرص المدافعون عن القيم الأميركية بأن تبقى راية "النجوم والخطوط" التي سقط من أجلها مئات الآلاف عبر التاريخ الأميركي، عالية ومتألّقة، لتظلّل أبناءها وجميع الأحرار الصادقين والمثابرين، الباحثين عن "ملجأ مزدهر" لتحقيق أحلامهم بعيداً عن "مصّاصي دماء" المجتمعات الحضارية ومبغضيها.