في خضمّ العواصف الإقليمية والتهديدات المتصاعدة على الحدود الجنوبية، يقف الجنوب اللبناني عند مفترق خطير، لا بسبب أطماع إسرائيل وحدها، بل أيضاً بفعل سلوكيات شاذة وخطيرة يُصرّ البعض على ممارستها باسم "المقاومة" أو "البيئة الحاضنة"، بينما هي في جوهرها تقويض مباشر لمصلحة لبنان العليا، ولما تبقّى من سيادته ومكانته الدولية.
ما يحصل اليوم من اعتداءات متكررة ومُهينة على قوات "اليونيفيل" في الجنوب – تلك القوات الدولية المكلّفة من مجلس الأمن بحفظ الأمن وتثبيت الإستقرار – ليس فعلًا عفويًا، ولا ردّة فعل شعبية غاضبة، بل هو – بحسب كل المؤشرات – سلوك مبرمج ومنهجي، تُديره ماكينة حزب الله، وتنفذه عناصر تحت مسمّى "أهالي" يتحرّكون بتوجيه واضح المعالم.
إنّ هذه الإعتداءات التي تتراوح بين المنع من التنقل، والتحريض، والتعدّي اللفظي والجسدي، هي فضيحة مكتملة الأركان بحق لبنان الرسمي والشعبي، وخطيئة مدمّرة في لحظة مفصلية، حيث تسعى إسرائيل مدعومة من عدة قوى داخل مجلس الأمن الدولي إلى إسقاط ولاية اليونيفيل ومنع تجديد مهمتها في شهر آب المقبل. فبدل أن نحتضن هذه القوات ونحمي دورها، ونقدّم لها تسهيلات تجعلها شاهدة على الإنتهاكات الإسرائيلية المستمرّة، نقوم بطردها وإذلالها، وكأن الجنوب لم يتعلّم من دروسه الطويلة أن حمايته لا تكون بالعنجهية بل بالشرعية الدولية والسند القانوني.
من المؤسف أن يتحوّل، منَ يسمي نفسه بـ "جمهور المقاومة"، بدل أن يتصدّى لعدو يتربّص بالوطن، إلى أداة ضغط على مَن يُحاول حماية الوطن. أن يُستخدم الأهالي – بقصد أو من دون قصد – لإهانة قوات دولية جاءت تحت غطاء القرار 1701 لحماية المدنيين ومراقبة وقف إطلاق النار، فهذا يُشكّل خدمة مجانية لإسرائيل ويُعطيها ذريعة ذهبية لاتهام لبنان بالتقاعس وخرق القرارات الدولية.
مَن الذي يستفيد من طرد اليونيفيل؟ مَن الذي يملأ الفراغ إن سحبت الأمم المتحدة هذه القوات؟ أهو حزب الله الذي يجرّ الجنوب إلى عزلة دولية؟ أم هي إسرائيل التي تنتظر هذه اللحظة لتشنّ حربًا بلا شهود ولا رادع؟
نعم، الجنوب في خطر، لا من قوات اليونيفيل، بل من سلوكيات البعض الذين قرروا أن يكونوا فوق القانون، وفوق الدولة، وفوق المصلحة الوطنية. إن التعدّي على قوات حفظ السلام ليس فقط مخالفة قانونية وأخلاقية، بل هو انتحار سياسي واستراتيجي، يدفع ثمنه لبنان كله، بمشيئة حزب الله وحده.
نقولها بملء الصوت: مَن أراد أن يُقاوم، وقد رأيناهم في الميدان، فليقاوم العدو لا الضيف. مَن أراد السيادة، فليحفظ كرامة الدولة لا يعبث بها. ومن أراد حماية الجنوب، فليدافع عن قرارات الشرعية لا أن ينسفها من الداخل.
الجنوب ليس مزرعة. هو أرض لبنانية لنا الحق فيها كما لكل لبناني. فليحترمه من يدّعون الدفاع عنه، ولا يفرّطوا به على مذبح المغامرات والحسابات الإيرانية. فلبنان لا يحتمل المزيد من العزلة، والجنوب لا يحتمل مزيدًا من التفريط والتسيب والإنفلات... والسلام.
رئيس دائرة الإعلام الداخلي وعضو المجلس المركزي في حزب "القوات اللبنانية"