لبنان كان ولا يزال يواجه سياسة "التهويل" وتوأمها سياسة "الاستقواء". وكل شكوى أو رفض "خدمة للعدو". من أوائل الستينات في القرن العشرين إلى الربع الأول من القرن الحادي والعشرين. التهويل، في طبعته الأخيرة، بمخاطر أمنية وسياسية جرّاء أية محاولة من الدولة لسحب السلاح من الفصائل الفلسطينية في المخيمات. والاستقواء على لبنان والسلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير وما اتفق عليه الرئيسان جوزاف عون ومحمود عباس في القصر الجمهوري بحجة التكامل في الأدوار بين سلاح "حزب الله" وسلاح المنظمات الفلسطينية التي تقاتل في غزة. وليس صحيحاً أن موضوع السلاح في المخيمات معقد وبالغ الحساسية، كما يدعي الخائفون عليه والمخوّفون به من لبنانيين وفلسطينيين. الصحيح أن ما يجري هو تعقيد قضية كان حلها واضحاً وبسيطاً منذ اتفاق الطائف، لكن الوصاية السورية والإيرانية فرضت تجريد لبنان عملياً من سيادته على أرضه بما فيها المخيمات. والصحيح أيضاً أن لبنان صار صاحب القرار لمصلحته الوطنية. وليس أي فصيل مسلح.
ذلك أن ربط سلاح المخيمات بحل قضية فلسطين إقليمياً ودولياً هو نغمة قديمة دفع لبنان ثمنها باهظاً في حرب طويلة. فلا مهمة لسلاح المخيمات في قضية فلسطين، سواء بالنسبة إلى من يريد التسوية وقيام دولة فلسطينية على أساس "حل الدولتين"، بصرف النظر عن رفض نتنياهو وحكومته، أو بالنسبة إلى من يتمسك بالحق التاريخي وتحرير الأرض من البحر إلى النهر. وليس هناك شيء اسمه السلاح للسلاح، لأنه يتحول في الواقع من دون مهمة إلى زينة واستعراضات وسلاح عصابات وحماية المخدرات والمطلوبين للعدالة من الهاربين إلى المخيمات.
أما ربط السلاح بحق العودة إلى فلسطين ورفض التوطين في لبنان، فإنه رهان على أداة لا تعمل. والكل يعرف، وإن كان الاعتراف صعباً، أن ما يضمن حق العودة ليس القرار الدولي 194 الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1949، حيث لا تسوية تعيد ملايين اللاجئين إلى أرضهم، بل تحرير الأرض وإزالة إسرائيل وقيام الدولة الفلسطينية الواحدة. وأما المطالب الإنسانية والسياسية للاجئين، فإنها واجب مستحق على الدولة التي يجب أن تلبي المطالب، بنصوص قانونية. وآخر ما يضمن المطالب هو سلاح المخيمات.
ومن الصعب، على الرغم من أهمية العمل على تغيير شروط العيش بالنسبة إلى أهل المخيمات، تجاهل تاريخ ما فعلته الفصائل الفلسطينية المسلحة باللبنانيين، إلى حد مفاخرة عرفات بأنه حكم لبنان. والأصعب هو التصرف كأن الزمن جامد، وكأن التحولات المتسارعة في غزة ولبنان وسوريا وكل المنطقة وبشكل خاص حيال انحسار النفوذ الإيراني وسقوط نظام الأسد لا تبدل شيئاً أو كأنها لم تحدث أصلاً.
والمؤكد أن الدولة، حسب الخطاب الضرورة، ليست في صدد حرب على المخيمات لسحب السلاح بالقوة بعد تجربة حرب في الماضي خاضتها حركة "أمل" ضد المخيمات بقرار إقليمي. لكن الحوار الضروري الذي هو الخيار الأسلم ليس مفتوحاً إلى الأبد، ولا يصح أن يصبح وسيلة للمماطلة وشراء الوقت على أمل تغيير الظروف. فالسلطة التي ترفع شعار حصرية السلاح في يد الدولة محكومة بتنفيذ "القرار المتخذ" حسب الموقف الرسمي المكرر، لأن كلفة الإحجام والتردد أكبر من ثمن الإقدام. ولا أحد يجهل أن من الوهم تنفيذ قرار من دون إغضاب أي طرف و احتجاج أي مسلح ولو كان مطلوباً للعدالة ومروّج مخدرات أو صاحب تاريخ في تفجير الأوضاع في المخيمات بناء على "أمر عمليات" من قوة خارجية كانت في الماضي ليبيا أو سوريا أو العراق، كأن السلاح يجمع نفسه بنفسه ويتقدم إلى الدولة. والمخيمات في النهاية أرض لبنانية خاضعة لسيادة الدولة.
ومشكلة لبنان التي نأمل بأن نكون قد تجاوزناها هي ما يسميها كارل ميردال "الدولة الرخوة".