ما بين مصر واليونان، بين المحيط السياسي والروحي، يدور اليوم حديثٌ يتعدّى حدود الأراضي، ليمسّ صميم ما يعنيه الحفاظ على المعنى: المعنى الذي يجعل من جبل، كتاب، أيقونة، ودير، ذاكرةً حيّة للسلام. دير القديسة كاترينا، أو "دير سانت كاترين" كما يُطلق عليه المصريّون بلهجتهم المحبّبة، واحد من أقدم الأديرة النشطة في العالم، وموقع ديني وثقافي نادر تتداخل فيه طبقات من التاريخ والعقيدة والهوية، تأسس في القرن السادس الميلادي بأمر من الإمبراطور البيزنطي جُستنيان، ليكون ملاذاً للرهبنة والصلاة، فظلّ محافظاً على رسالته الروحية بلا انقطاع منذ أكثر من 1500 عام.
على سفح جبل سيناء، حيث تتهادى الشمس خجولة على صخور أُحرقت بأثر الرؤى، يقوم دير القديسة كاترينا كأنّه قصيدة حفرها الزمن في قلب الصحراء. إنه ذاكرة حيّة تمشي على عكّاز الزمن، شاهدة على قرون من العبادة والعزلة، من الحماية والنور، من الصراع والوئام.
هناك، في ذاك الركن القصيّ من العالم، تتقاطع الديانات الإبراهيمية كما تتشابك ظلال أشجار الزيتون في باحة الدّير. موسى النبيّ مرّ من هنا، وربما أصغى لصوت النار المتوهّجة من دون أن تُحرق، وكاترينا القديسة جاءت بروحها النقيّة، لتحظى برقاد أزلي وسط قباب التحفة المعمارية البيزنطية. أما الرهبان، فما زالوا يحرّكون الحبر في صمت، ينسخون الكتب، ويرمّمون الأرواح.
يُعتبر دير القديسة كاترينا سرديّة كاملة عن معنى الثبات في عالم متحوّل، وعن كيف يمكن للصلاة أن تصبح جسراً بين حضارات، وعن كيف يستطيع مكانٌ صغير، محاط بأسوار عالية وصخور جرداء، أن يُغني ذاكرة البشرية ويُحاور الدول الكبرى.
يُمثّل هذا الدير الذي أُدرج ضمن "قائمة التراث العالمي لليونسكو" في العام 2002، تحفة معمارية بيزنطية ومَعلماً روحياً استثنائياً في قلب صحراء سيناء. بجدرانه الحصينة، وكنائسه القديمة، ومكتبته الزاخرة بالمعرفة، يُعدّ الدير نقطة التقاء نادرة بين العمارة، والتاريخ، والدِّين، والحضارة.
في حضن الجبل المقدس
المشهد في دير القديسة كاترينا يكشف عن براعة معمارية استثنائية. فالمكان مُحاط بحصن بيزنطي ضخم شُيّد من كتل حَجَرية حافظت على صلابتها في وجه الزمن. داخل الأسوار، تحتل كنيسة التجلّي موقع القلب الروحي والمعماري للدّير، وتُعدّ من أقدم الكنائس التي لم تنقطع فيها الشعائر منذ بنائها. كما تحتضن جدرانها أيقونات نادرة ذات قيمة فنية وروحية كبيرة.
إلى كنيسة التجلّي الكبرى التي شُيّدت في القرن السادس، في الدير 11 كنيسة أُخرى. أبرزها كنيسة العلَّيقة المقدّسة، وقد بُنيت فوق ما يُعتقد أنه موقع "العلَّيقة المشتعلة" التي خاطب الله منها نبيَّه موسى وأعطاه الوصايا العشر. هذه الشُّجَيرة ما زالت مزروعة في الدّير، وتحظى بتقديس كبير حتى يومنا هذا.
كما تنتشر داخل الدّير عدة كنائس صغيرة مكرّسة لقديسين مختلفين، مثل القديس أنطونيوس والقديسة بربارة والقديس جاورجيوس، وتُستخدم للصلوات اليومية والاحتفالات الدينية الخاصة، ما يجعل الدّير مدينة مقدّسة صغيرة تنبض بالإيمان والتاريخ.
كما تنتشر في أرجاء الدَّير مبانٍ خشبية من العصور الوسطى، ومصلّى صغير فوق الجبل يُنسب إلى النبيّ إيليا. يُضاف إلى ذلك مساكن الرهبان، ومكتبة أثرية، ومتحف صغير يضمّ مقتنيات لا تُقدّر بثمن.
كنز معرفي وأيقونات نادرة
من أبرز ما يُميّز دير القديسة كاترينا مكتبته العريقة، التي تضمّ واحدة من أغنى مجموعات المخطوطات المسيحية الشرقيّة. تحتوي على ما يزيد عن 3300 مخطوطة و8000 كتاب طُبعت قبل القرن السادس عشر، معظمها باليونانية، القبطية، السريانية، العربية، العبرية، والجورجية. هذه المخطوطات لا تُسجِّل التاريخ الدِّيني فحسب، بل أيضاً مجالات متنوعة من الفلسفة، والطبّ، والرياضيات، والجغرافيا.
كما يُعدّ الدَّير موطناً لأكبر مجموعة من الأيقونات المسيحية القديمة في العالم، بعضها يعود إلى القرنَين الخامس والسادس. هذه الكنوز الفنية تُعتبر سجلّاً بصريّاً حيّاً لمدارس الرسم البيزنطي المُبكِّرة، وتشهد على استمرارية التقاليد الفنّية الروحيّة في ظلّ عزلة الدَّير وتفرّده.
يرتبط الدَّير بالكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، وتحديداً ببطريركية الروم الأرثوذكس في القدس. بينما تتولّى الدولة المصرية حماية المنطقة المحيطة به، التي تُعدّ محميّة طبيعيّة تضمّ تنوعاً بيئياً (نباتات نادرة) وسكّانياً (من البدو) فريداً. ويُعتبر الموقع "قيمة دينيّة وروحيّة لا تُقدّر بثمن"، كما ورد في وصف "اليونسكو".
العلَّيقة ورفات الشهيدة
تتداخل في دير "سانت كاترين" روايات الكتاب المقدس مع عظماء الكنيسة وتاريخ الاستشهاد. فإلى جانب موقع العلَّيقة، في الدَّير رفات القديسة كاترينا الإسكندرانيّة، إحدى أشهر شهيدات المسيحية، والتي أُعدمت في القرن الرابع بسبب تمسُّكها بإيمانها. وقد نُقلت رفاتها في القرن السابع إلى هذا الموضع، بعدما قيل إنها ظهرت في رؤيا لأحد الرهبان، ليصبح المكان مزاراً عالميّاً.
من جُستنيان إلى الباباوات
عبر تاريخه الطويل، جذب الدَّير اهتمام شخصيات بارزة من قادة العالم وزعمائه. فقد أمر الإمبراطور جُستنيان ببنائه ونقل رهباناً إليه. وفي العصور الحديثة، زاره نابليون بونابرت في العام 1799 وترك وثيقة يضع فيها الدَّير تحت حمايته، وموّلت قواته ترميم أجزاء متضرِّرة من أسواره. وفي العام 2000، زار البابا يوحنا بولس الثاني الدَّير واعتبر جبل سيناء "نصباً إلهياً"، ثم تبعه البابا فرنسيس في زيارته في العام 2017، مشدِّداً على رمزية المكان في الحوار بين الأديان الإبراهيمية.
هجوم لم يُخمِد النور
وعلى الرّغم من العزلة النسبيّة التي يعيشها، لم يكن الدَّير بمنأى عن اضطرابات العالم المعاصر. ففي نيسان 2017، وقع هجوم إرهابي استهدف نقطة أمنية قريبة منه، وأودى بحياة شرطي مصري. تبنّى يومها تنظيم "داعش" الحادث الذي وقع قبيل زيارة البابا فرنسيس بأسابيع، وأثار مخاوف دولية. إلا أنّ الدَّير لم يتوقّف عن أداء مهامه الرهبانية، وبقي مكاناً للحج والتأمُّل، وملاذاً روحياً للزوّار من مختلف الديانات.
البدو والرهبان
يرتبط دير القديسة كاترينا بعلاقات فريدة من نوعها مع المجتمعات المحليّة المحيطة به، بخاصة قبائل سيناء البدويّة. فمنذ الفتح العربي في القرن السابع، لم يتعرّض الدير لأي اعتداء من الجيوش الإسلامية، بل إن روايات تاريخية تشير إلى أنّ قبائل محليّة تعهّدت بحمايته، وتوارثت هذا الدَّور عبر الأجيال. وما تزال هذه العلاقة مستمرة حتى يومنا، إذ يعيش الرهبان في تناغم مع البدو، الذين يشاركونهم الحياة اليومية ويحترمون قدسيَّة المكان.
توتُّر دبلوماسي
أما على الصعيد السياسي، ففي أيار الماضي شهدت العلاقات المصريّة - اليونانيّة توتراً بسبب حُكم صادر عن محكمة إدارية مصريّة نصّ على اعتبار الأراضي الزراعية المحيطة بالدير من أملاك الدولة، مع السماح باستخدامها من قِبَل الرهبان وفقاً للعُرف والتاريخ.
هذا القرار أثار مخاوف لدى الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، التي ترى في الدَّير رمزاً وطنياً وروحياً لها. فسارعت الخارجية المصرية إلى طمأنة الجانب اليوناني، وأكد وزير الخارجية المصري لنظيره اليوناني، الذي سارع لزيارة مصر، أنّ الوضع القانوني للدَّير وحقوقه الدينية محفوظة، واتّفق البلدان على الحفاظ على وضع دير "سانت كاترين". علماً أنّ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كان قد صرّح في زيارة سابقة له إلى اليونان أنّ العلاقة مع الدَّير "أبدية وثابتة"، وفي المقابل، أكد رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس أهمية الحفاظ على الطابع الأرثوذكسي للدير.
يُذكر أنّ مصر واليونان وقّعتا في العام 2023 "إعلان شراكة استراتيجية"، شمل التعاون في مجالات التراث، بما فيها صيانة وترميم الآثار والمخطوطات، والتبادل الثقافي بين المؤسسات الدينية والتعليمية في البلدين.
نموذج نادر
إنّ ما يجعل دير القديسة كاترينا فريداً، ليس فقط قِدَمه أو موقعه أو محتوياته، بل قدرته النادرة على الجمع بين المتناقضات: بين العزلة الجبليّة والانفتاح العالمي، بين الروحانيّة المسيحيّة والتقاليد البدويّة، بين الأهميّة الدينيّة والدبلوماسيّة. فهو في آنٍ واحد، معلم أثري مقدّس، ومركز روحيّ حيّ، ومَعلم ثقافي عابر للزمن. ويُقدّر الدَّير كرمز للتسامح الديني، إذ يفتح أبوابه لحجّاج وزوّار من مختلف الأديان والخلفيّات، ويُمارس دوراً ثقافياً وروحياً فاعلاً في عالم يفتقر إلى نماذج التعايش الناضج.
وفي زمن تتآكل فيه الجسور وتعلو فيه الجدران، يبقى دير "سانت كاترين" في مصر، شاهداً على أنّ العزلة لا تعني الانغلاق، وأنّ التاريخ حين يُكتب بالحبر والنور، يصبح رسالة سلام أبدية.


