زيزي إسطفان

مخزون معرفي واستجابة أكاديمية سريعة لمتطلبات العصر

عبر الجامعة الأميركية... لبنان ينطلق نحو عالم الذكاء الاصطناعي

8 دقائق للقراءة

دول كثيرة سبقت لبنان بأشواط في عالم الذكاء الاصطناعي وحجزت لنفسها مكانة متقدمة في هذا المجال الذي لم يعد ترفاً فكرياً أو معلوماتياً بل بات عاملاً حاسماً في رسم التحولات الاقتصادية والاجتماعية لأي بلد، وتحديد مكانتها على الخارطة العالمية.


في العالم العربي مراكز أبحاث ومبادرات حكومية واستثمارات ببلايين الدولارات لمواكبة التطور الرقمي. لبنان المثقل بأزماته الكثيرة يواجه التحدي محملاً بتاريخ من المعرفة وبطاقات إنسانية وأكاديمية قادرة بذكائها على مواكبة قفزات الذكاء الاصطناعي الجبارة.


قد يبدو الأمر حلماً صعب التحقيق، فكيف لبلد يعاني ما يعانيه في أبسط ضروريات الحياة ويجاهد لإيجاد التمويل الكافي لرواتب عسكرييه ومتقاعديه، أن يرتقي إلى مصاف الدول التي باتت تتكل على الذكاء الاصطناعي في كل تفاصيل حياتها؟ هل هو قادر على الالتحاق بركب التطور التقني الهائل الذي تشهده الإمارات مثلاً أو المملكة العربية السعودية أم سيبقى متخلفاً عنها مهما حاول؟ الجواب انطلق من الجامعة الأميركية في بيروت التي وضعت 140 عاماً من الخبرة والمعرفة الأكاديمية في خدمة الذكاء الاصطناعي لمواجهة متطلبات لبنان والمنطقة، وإحداث تأثير إيجابي رائد في هذا المجال عبر إطلاق أول كلية خاصة بالحوسبة وعلوم البيانات في لبنان.



هل يستلحق لبنان نفسه؟

القطاع الخاص حاول بما يملك من إمكانيات متواضعة أن يلحق بركب التحولات التي فرضها الذكاء الاصطناعي، فظهرت مبادرات عدة في قطاعات مختلفة مثل الزراعة والصحة والتعليم الجامعي، لكنها بقيت متفرقة تفتقر إلى أرضية أكاديمية صلبة ترتكز عليها. ورغم استحداث حقيبة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتعيين وزير المهجرين د. كمال شحادة وزيراً لها، إلا أنها لم تنطلق بزخم بعد، رغم الإعلان عن خطة LEAP الخمسية التي تهدف إلى وضع لبنان على المسار التكنولوجي الصحيح، والبدء بمرحلة أولى تشمل تطبيق برامج الذكاء الاصطناعي بشكل اختباري في بعض الوزارات.


في مواجهة كل هذه المتطلبات، كان لا بد من استجابة أكاديمية حتى لا يبقى الذكاء الاصطناعي مستورداً غريباً عن البيئة اللبنانية والعربية، محدوداً بلغته ومعلوماته ومخزون الداتا التي يملكها حول المنطقة. من هنا أتت خطوة الجامعة الأميركية في بيروت بإطلاق "كلية الحوسبة وعلوم البيانات" بعد 70 عاماً على إطلاق آخر كلية لها كاستجابة ضرورية جريئة تواكب روح العصر وتحدياته.


ففي منطقة تفتقر إلى مراكز إنتاج المعرفة الحديثة، تبرز أهمية هذه المبادرة كرهان على المستقبل واستثمار في الطاقات البشرية الشابة القادرة على فهم تعقيدات العالم الرقمي من جهة، وعلى إنتاجه وإعطائه الشكل الذي يلبي احتياجات لبنان والمنطقة من جهة أخرى.


لكن يبقى السؤال الأهم: هل لبنان قادر بإمكانيته المالية المحدودة على تمويل مشروع واعد كهذا؟ وهل يمكن له أن ينافس بلدان سبقته بأشواط في مجال الذكاء الاصطناعي وتجميع الداتا؟


يقول رئيس الجامعة الأميركية د. فضلو خوري لـ "نداء الوطن": "بالطبع لبنان قادر على المواكبة، فميزة هذا البلد هي طاقته البشرية، واللبنانيون قادرون على تقديم دور مهم في مجال الذكاء الاصطناعي. لكن الطاقة البشرية وحدها لا تكفي وهي بحاجة إلى أدوات، لذا نحن في صدد التحضير للحصول على هذه الأدوات، وهدفنا الوصول إلى جمع تمويل يقارب مئة مليون دولار لنتمكن من جلب الكادر الأكاديمي المناسب لتقوية قدرة لبنان في هذا المجال. الكلية ليست مجرد رد فعل للحاق بالتطور الحاصل، بل خطوة مقصودة تؤكد على ضرورة تطلعنا نحو المستقبل، والتعامل مع المشهد العالمي المتغير بسرعة ومرونة. في ذهننا تصورات لربط هذه الكلية بما يحدث من تطورات تقنية على صعيد الذكاء الاصطناعي في منطقة الخليج العربي، لكن ذلك كله يرتبط بدور لبنان في المرحلة القادمة... إننا نرى البلد يخرج من أزماته فإذا استطعنا مساعدته على فتح الأبواب وعرفنا كيف نلتقط الفرصة الحالية، فلا شك أنها ستكون فرصة عظيمة لا يجب أن نفوتها علينا والاستثمارات في المجال التقني ستكون كبيرة".



فتح لبناني جديد

يضيف خوري، "إنّ لبنان والمنطقة بحاجة ماسة إلى حلول تتجاوز التخصصات والقطاعات، منها على سبيل المثال التخفيف من ندرة المياه، أو معالجة الفروقات بالعناية الصحية، أو فهم الديناميكيات المتقلبة للهجرة والعمل، فنحن بحاجة إلى هذا النوع من البصيرة التي يمكن أن توفرها الحوسبة وعلوم البيانات والتي تجعل من الكلية مرصداً جديداً لعصرنا، قادر على تسليط الضوء على أنماط المجتمع المعقدة، وعلى البيانات المخفية عن مرأى العين".


من جهته يؤكد رئيس مجلس أمناء الجامعة الأميركية د. عبدو قديفة لـ "نداء الوطن: "لدينا الإمكانيات البشرية وقادرون على الإتيان بالطاقات من الخارج إذا احتجنا. ثمة لبنانيون يبدعون في أوروبا و الخليج ونحن قادرون على استقدامهم إلى لبنان، وكذلك الطلاب الحاليون مدهشون. لقد شعرنا في الجامعة الأميركية في بيروت أنه علينا أن نقود ونبتكر ونكون في طليعة هذا المجال، ليس فقط على مستوى المنطقة، بل على المستوى العالمي. كما نهدف إلى تجميع الخبرات والقدرات ومواهب الحوسبة، بالإضافة إلى باحثين من تخصصات متنوعة، من أجل تقديم نهج جديد لازدهار الذكاء الاصطناعي وتحقيق الازدهار في المنطقة".


وأشار قديفة إلى أن الجامعة ومجلس أمنائها ملتزمون بالكامل بتأمين الموارد اللازمة لإنجاح هذا المشروع، بما في ذلك هدف جمع 100 مليون دولار، ما يبرز الإيمان العميق بالأهمية الاستراتيجية لتأسيس هذه الكلية الجديدة.



Chat GPT أذكى بالعربي...

لا شك أن العالم اليوم بأجمعه ومعه لبنان في قلب حركة ثورية تغير معالمه وعلاقة الأفراد به، ولم يعد جائزاً الوقوف على الهامش أو التلقي المحايد لمفاعيل هذه الثورة. وحدها البلدان القادرة على إنتاج المعرفة يمكن أن تتجه نحو المستقبل، ولبنان بفضل طاقاته البشرية ومخزون المعرفة المتراكم لديه قادر على المبادرة من داخل هذه الثورة التقنية.


في هذا الإطار المبشّر بالخير يقول المدير المؤسس لكلية "الحوسبة وعلوم البيانات " د. جهاد توما: "في الجامعة الأميركية لم نفكر كيف سنلحق بهذه الحركة الثورية بل نحن نعمل لها منذ سنوات عدة، ولدينا زملاء يقومون بأبحاث عميقة جداً وحسابية بطبيعتها منذ عشرات السنين بأدوات وتساؤلات لها علاقة بنا وباحتياجاتنا وطاقاتنا. لا يمكن القول إننا دخلنا في مجال الذكاء الاصطناعي متأخرين بل على العكس، نحن متجذرون في المنطقة وفي موضوع الحوسبة وفي أساليب العمل التي يتطلبها، كما لدينا 50 أو 60 سنة من "الداتا". صحيح أن طريقة تجميع "الداتا" أو البيانات قد تغيرت اليوم، لكن يبقى الأساس الإنسان المدرك لاحتياجات المنطقة ومشاكلها وطريقة التعامل معها وطريقة تحليل "الداتا". الأجهزة لوحدها حين نحملها معلومة ما، قد تعطينا هلوسات وأموراً غير مترابطة. العامل الإنساني هو الأهم، وإليه نضيف مسائل تقنية نعمل عليها في المجال الحسابي في جامعتنا منذ ثلاثين سنة".


يشرح د. توما أن كلية الحوسبة ستركز على المجالات التي تدخل في صلب اهتمامات الجامعة الأميركية و المجتمع اللبناني و العربي، وأبرزها الطب. "سنكون في تعاون مع زملائنا في الكلية من أجل الأبحاث المخبرية والمقاييس التي يقومون بها في إطار عملهم، لندخل في تطوير أدوات تدخل في صلب مهمة المستشفى والأطباء. كما لدينا الشق المتعلق بالدراسات الاجتماعية المختصة بكل المسائل التي يمكن طرحها من السياسة إلى الصحة العامة إلى حركة المهجرين وحالاتهم وما يتعرضون له من أمور. ولدينا بشكل خاص المسألة المختصة باللغة العربية حيث ستكون من الأمور التي سنعمل عليها بالعمق مع تطوير الأدوات المناسبة".


صحيح أن الجميع اليوم بات يعتمد على Chat GPT، لكنه مدرب على معالجة مسائل باللغة الانكليزية مرتبطة بثقافات معينة. "أما نحن، يقول د. توما، فسوف نساعد في صنع محتوى عربي، إذ لدينا علماء لغة مروا في تاريخ الجامعة وكتب ومخطوطات نملكها داخل الجامعة، ونحن جزء من شبكة معرفية في كامل المنطقة معنية باللغة العربية. ثمة أكثر من تجربة تجري في العالم العربي لتطوير برامج مماثلة Chat GPT ونحن لا يمكن أن ننافسها في هذا المكان، ولكن ما نستطيع فعله هو إضافة المخزون المعرفي الذي نملكه، وله علاقة باللغة العربية التي كنا رواده. نحن لا نبدأ من الصفر بل متجذرون بالتاريخ والمنطقة والمرحلة والمعرفة وإنتاج المعرفة فيها. وكلما رفدت الذكاء الاصطناعي بمعلومات أكثر كلما أعطانا أكثر فكيف إذا كانت المعلومات موجودة ومشغولة من قبل مختصين مجبولين بهذه الأرض والمنطقة .


يختم د. توما بالقول إن "النهضة المعرفية التي حصلت في نهاية القرن الماضي سنماشيها اليوم، وسيكون لجامعتنا دور أساسي فيها ونحن قادرون على ذلك، نسير ببطء وثبات نحو مستقبل فاعل في المنطقة".