لا أخال شيعة لبنان والأحياء من قيادات "حزب اللّه" يهملون تقييم ما انتهت إليه الطائفة و "الحزب" وصولاً لتحديد الأسباب والمسؤولين عنها، والأهمّ طرح السؤال هل من سبيل لاستعادة وهج الماضي والحيلولة دون مساوئه ومآسيه وكيف السبيل إلى ذلك؟
قبل بحث كيفية تعويض الخسائر، تقضي الجدية بالنظر في مواضع القوة التي لا تزال في قبضة "الحزب" والطائفة الشيعية وتتلخّص بدروس خمسة.
الدرس الأول لبنان: من مواضع قوة الشيعة، لبنان، الإطار الجغرافيّ الذي يضمّ الشيعة.
لم يخسر لبنان كلياً رغم كلّ ما مرّ به من حروب واحتلالات فلسطينية وسورية وإيرانية، ميزة اختصّ بها بين جميع الدول العربية، هي حرية المعتقد والممارسة الدينية وحرية التعبير والخيارات الشخصية. محلّ فخر كل لبناني أنّ المحتلين حاولوا ولم يتمكنوا من تحويل المجتمع اللبناني إلى ما يماثل مجتمعاتهم السلطوية. لـ "حزب اللّه" أن يحمد العليّ القدير الذي حال دون اجتثاث "الحزب" الحريات العامة عندما كان في السلطة وإلا لفقد "الحزب"، بعد هزيمته، القدرة على استعادة مكانته. وإذا صحّ أن الاستبداد يقوم على دوام الحاكم بشخصه ثم بخلفائه، ما يخالف مبدأ الديمقراطية أي حكم الشعب، ففي المقابل هناك الاستبداد الشرقي حيث المشترك فيه "حاكم واحد قهّار".
أنا لا أنسب حرية لبنان إلى خصائص عرق أو دين ولا إلى سمات ثقافية بعينها. تلك مفاهيم للوجود مشتقة من داروينية تقوم على عامل التفوّق، وفي هذه الحالة التفوّق الثقافي، تخالف كلياً قناعاتي كناشط في حقل حقوق الإنسان. حرية لبنان يصونها عاملان، الأول عدم وجود أكثرية تسحق الأقليات، والثاني أن المسيحيين زمن كانوا أكثرية، لجم جموحهم ما اقتبسوه من قيم الغرب حول الإنسان، حقوقه وحرياته، فضلاً عن نظام سياسي قوامه فصل السلطات والمساءلة واستقلال القضاء.
وحده المتحيّز يصعب عليه إدراك دور المسيحيين في ترسيخ الحرية في لبنان وينتهي إلى قناعة بأن قوة المسيحيين شكّلت حماية لها. لذا أولى نتائج هزيمة المسيحيين كانت تراجع الحريات وهجرة المفكرين والأدباء العرب عن قبلتهم التقليدية حيث الصروح الجامعية ومنابر الفكر في منتديات بيروت ومقاهيها في جوار جامعاتها.
الدرس الثاني الديمقراطية: على "حزب اللّه" أن يدرك أن خير حماية لأي نظام أو حزب هو الديمقراطية، وقوامها تداول السلطة وليس الاستئثار بها. لو أثبتت تجارب التاريخ دوام الأوضاع، لتعطّل التطوّر.
الدرس الثالث: مما لـ "حزب اللّه" أن يبني عليه هو تاريخ الشيعة في لبنان. كلّنا نعلم اضطهاد الشيعة زمن الخلافة الإسلامية. لكن نظام المتصرفية اعترف بهم ومثّلهم في بنية الحكم، كما أن لبنان الكبير أعطاهم ما لم يعط لهم في أي بلد عربي واعترف لهم بمجلس ديني يتكلم باسمهم خروجاً عن المبدأ العثماني بحصر التمثيل الإسلامي بالإفتاء السني.
الدرس الرابع: هو أن من ضمن ما يحمي وجود الشيعة ويضمن استمرارهم هو وزنهم الديموغرافي. فالمجموعات البشرية بعلاقاتها التي تقوم على الشك والتربص والتوتر وأحياناً الاقتتال، تجد في وزنها الديموغرافي حماية لها عند غياب حماية القانون.
فالشيعة في لبنان بسيطرتهم على الدولة والقرارات السياسية والإدارية في العقود الأخيرة، رفعوا أوزانهم وأعدادهم في الأكاديميا والإدارة والقضاء والمصارف وبين الأثرياء ورجال الأعمال. هي سمات تحمي وجودهم في لبنان بل ترفع من شأنهم.
الدرس الخامس: هو الدعم الخارجي لهم. ليس محل إنكار ولا استنكار أن المجموعات في لبنان تحظى بقوة ذاتية، الديموغرافيا والثروة والمناصب في القطاع العام وموقعها في القطاع الخاص وفي إطار المهن الحرّة ومؤسسات التعليم وبين المثقفين. لكن، ثمة عنصر آخر لا يمكن إسقاطه في أوزان المجموعات في لبنان. إنه الدعم الخارجي. عند شيعة لبنان رافعة إقليمية هي إيران. المشكلة مع إيران ليست في دعمها بني طائفتها في لبنان وهو ما تعمد إليه كل طوائف لبنان، بل هي نظام ولاية الفقيه الذي لا يدعم بل يضحي بامتداداته ويجعلها وقوداً لحماية وجوده في إيران ومدّ نفوذه خارجها. والأشهر الماضية تظهر الثمن الذي سدّده شيعة لبنان لمصلحة طهران.
لا عيب في إحياء ذكريات تاريخية يعتزّ كلّ مكوّن لبناني بها. أعيب أن يفخر الشيعي اللبناني بدور فقهائه بنشر المذهب الشيعي الجعفري في إيران زمن الدولة الصفوية؟ حتماً لا. لكن الحرج يكون في وضع تماثيل لشخصيات عسكرية إيرانية يتعبّد البعض، خاصة من الذميّين، أمامها وينصرفون.
هو نداء صادق صادر من قلب لبناني لا يضمر سوءاً لا للشيعة ولا لغير الشيعة، بل أكثر، لا يرى استقراراً للبنان ما لم تتعاون وتتكاتف وتتآزر كل مكوناته وتسقط كل توجّس واتهامات وظنون بل تتساعد وتتعاون لبناء وطن لنا ولأولادنا نطمئن فيه ونفخر به.