د. أنطوان مسرّه

لبنان: حالة تقسيمية مستحيلة وتكاذب لبناني مستمر!

4 دقائق للقراءة

يعيش اللبنانيون بعد كوارث 2024 والمرحلة الحالية في استعادة لبنان الدولة مزيجاً من الوضوح في الإرادة والمواقف، وأيضاً المراوغة والمساومة والتموضع! وتُستغل القوة النابذة لاستعادة الدولة وراعيها الإقليمي الوقت، وتراهن على الوقت وتجهض احتمالية النهوض ربما لغاية نهاية العهد الحالي الواعد وحكومته الإجرائية الطبيعية!


1. نشوء دولة لبنان منذ 1920: إن المرحلة الحالية، انطلاقاً من انتروبولوجيا الدولة في التاريخ والقانون، تستحق المقارنة بمرحلة إعلان دولة لبنان الكبير في أول أيلول 1920، ثم مرحلة ميثاق 1943 والاستقلال، في سياق جدلية العلاقة بين المركز والأطراف. يتم انضمام الأطراف إما بالقوة على نمط العديد من الدول أو يتم الانضمام إلى مركزية الدولة من خلال سياسة تسوية accommodation قائمة على سلوك عقلاني ومصالح حياتية مشتركة.


يمكن مقارنة المرحلة الحالية في استعادة الدولة ووحدانيتها بموقف الرئيس الياس الهراوي في 13 تشرين الأول 1989 وجهوده التفاوضية في سبيل الانتقال من "الدويلات إلى الدولة"، وهو عنوان مذكراته التي دوّنها كميل منسى. اضطر الرئيس الهراوي إلى اللجوء إلى القوة العسكرية لجيش الأسد في سبيل استعادة مركزية السلطة.


2. الدولة هي التي تحسم ولا تساوم: الدولة أساساً تحسم ولا تساوم في وظائفها السيادية الموصوفة بالملكية الأربعة (rex, regis, roi): احتكار القوة المنظمة، واحتكار العلاقات الدبلوماسية، وإدارة المال العام من خلال فرض الضرائب وجبايتها، وإدارة السياسات العامة.


لبنانيون من خلال مساومات وحوارات موسمية، حسب تعبير ملحم شاوول، وعقدتهم النفسية التاريخية المرضية حول الباب العالي يتعاملون مع السيادة وكأنها مجرد ديكور للدولة! إن قضايا السيادة هي بطبيعتها ثنائية حيث الجواب: نعم أم لا! تمارس ذهنية لبنانية الدعارة في العلاقات الدبلوماسية! تعبّر بعض السجالات عن جهل لمفهوم الدولة وشرعيتها من خلال المقولة التالية: عندما تكون الدولة قادرة نسلّم سلاحنا! إنه إدراك للدولة كشقة مفروشة مع مفاتيحها! إن الدولة الشقة المفروشة هي من صنع الآخرين! تكتسب الدولة شرعيتها بدعم القوى الوطنية. لنتخيّل كم ستكون الدولة اللبنانية قوية وقادرة إذا كانت القوى السياسية اللبنانية داعمة لها! كان يصرخ الرئيس الياس سركيس: "أنا منكم، أنا منكم، أنا معكم"! لا مجيب! إن رؤساء الدولة أمثال فؤاد شهاب والياس سركيس... ماتوا قهراً! أما رؤساء دولة آخرون، أمثال بشير الجميل وكمال جنبلاط ورينه معوض ورفيق الحريري...، فتم اغتيالهم من قوى الاحتلال المباشر أو بالوكالة!


3. بين الوضوح والمراوغة! من هي حالياً القوى الداعمة في لبنان لمسار استعادة الدولة؟ الحاجة إلى طرح الواقع الحالي في لبنان مباشرةً بدون تذاكٍ ولا تكاذب ولا مراوغة. يعيش لبنان حالة تقسيمية مستحيلة في دولة رسمية رمزية ودولة رديفة ذات تسلّح ودعم إقليمي! هذه الدولة الرديفة إما تنضم إلى مركزية الدولة أو تسعى إلى تدبير أمورها! ليس واقع الأمور لبنانياً مقاومة العدو، بل استعادة الدولة أولاً في سبيل مقاومة وطنية شرعية وفاعلة. هل ينتظر لبنانيون قوة خارجية وإسرائيل نتنياهو، كما في 13 تشرين الأول 1989، لاستعادة مركزية الدولة اللبنانية وبكلفة باهظة ومفاعيل كارثية وغير مضمونة اطلاقاً؟


إن أكثر من نصف اللبنانيين ما زالوا يتلاعبون بالسيادة ويمارسون التذاكي والتكاذب والمخادعة والشطارة والمراوغة والتموضع والمعليشية... حتى ضمن بعض الوزراء حيث ليست المواقف واضحة وصريحة ومعلنة!


4. السلم الأهلي ليس ابتزازاً: يحصل الابتزاز التالي من قبل قوى احتلال مباشر أو بالوكالة في ما يتعلق بالسلم الأهلي: إما حوار وتوافق حول التسلّح الرديف للدولة أو... حرب أهلية! هذا ابتزاز! لا سلم أهلياً ثابتاً في لبنان بدون استعادة الدولة ولصالح الجميع.


***

ما العمل؟ الحاجة إلى حمل بعض القوى السياسية التي لا تزال تمارس التموضع، في سبيل موقف صارم وحازم وواضح وتطبيقي في استعادة الدولة. بدون ذلك: لا إصلاح ولا مصارف ولا نهوض ولا أمل بلبنان وبالجيل الجديد! لبنان الساحة والساحات أصبح خطيراً على اللبنانيين والعرب والعالم!




عضو المجلس الدستوري، 2009-2019