مع إعلان إسرائيل تنفيذ عملية "الأسد الصاعد" ضد أهداف داخل إيران، تردّد صدى الضربة بقوة في لبنان، لا على أرض الواقع لكن عبر الفضاء الافتراضي، حيث تفاعل اللبنانيون كأنّهم طرف مباشر في المعركة، لأنّهم اعتادوا أن يكونوا أَوّل من يدفع الثمن. ومنصّات التواصل الاجتماعي كانت التعبير الأوضح عن هذا القلق، حيث تحوّلت إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، وتفريغ مشاعر الخوف واللاثقة.
منذ اللحظات الأولى للعمليّة فجر الجمعة، توالت المنشورات لناشطين لبنانيين يرفضون انزلاق لبنان إلى مستنقع الصراع الإقليمي، محذّرين من "مغامرة متهوّرة" قد يُقدِم عليها "حزب الله"، تُدخل البلاد في دوامة مواجهة لا قدرة لها على تحمّلها. فيما دعا كثر إلى الالتفاف حول لبنان وحمايته في هذه اللحظات المصيرية.
إلى جانب الخوف، برزت نبرة سخرية عالية، ليس فقط من "حزب الله"، بل من إيران نفسها، التي تلقّت الضربة داخل أراضيها من دون أن تُظهر قدرة ردع أو تصدّ فعلي. واعتبر عدد كبير من الناشطين هذا اليوم "يوماً مجيداً". كثيرون علّقوا على "هشاشة محوَر يُفترض أنه يقود جبهة المقاومة"، ووصفوه بالـ "كذبة"، وبأنه "أوهن من بيت العنكبوت"، كما كان أمين عام "حزب الله" الراحل حسن نصرالله يُطلق على إسرائيل، بعدما اتضح لهم أنّ كلّ الخطابات عن الجهوزية والتوازن مع إسرائيل تهاوت بضربة واحدة خاطفة.
المواقف الرافضة لأي تصعيد لم تأتِ فقط من خصوم "الحزب" التقليديين، بل حتى من أصوات مستقلّة، وناشطين بعيدين عن الاصطفافات الحادّة، أجمعوا على خطورة الدخول في أي مواجهة لا تُحسب نتائجها بدقّة.
في المقابل، اكتفى ناشطو "الحزب" بدعم إيران من دون أيّ دعوات للردّ على اسرائيل من لبنان. فيما اعترف أحدهم ضمنياً بضعف "المحور الإيراني" وبدخول الإمام الخامنئي في دائرة الخطر نفسها التي حاصرت نصرالله.
أما بيان "حزب الله" تعليقاً على التطورات الإقليمية، فبدا باهتاً، ورغم استخدام لغة تعبئة تقليدية، لم يحمل نبرة نارية مباشرة أو تهديداً واضحاً بالرد من قبل "الحزب" نفسه. وكان أقرب إلى إعلان تضامن معنوي وتحذير سياسي من دون مؤشرات فعليّة على نيّة الدخول في مواجهة فورية.
في موازاة الغضب الشعبي الرقمي، صدرت مواقف سياسيّة ورسميّة نُشرت عبر مواقع التواصل، حذّرت من أي انخراط لبناني في هذه الحرب. فرئاستَا الجمهورية والحكومة، ووزارة الخارجية، أشارت بوضوح إلى ضرورة عدم توريط لبنان في صراع المحاور، والتزام سياسة النأي بالنفس.
وبين "الأسد الصاعد" وهاجس "الهاوية"، بدا أنّ كل ما يملكه المواطن هو شاشة هاتفه يستعملها بهدف "التصعيد الرقمي"، يُغرّد منها خوفه، أو يسخر بواسطتها من واقعه، في وطن لا يملك القرار، ولا حتى رفاهية الوضوح.





