يتشكّل الانطباع لدى من يتابع التحليلات النابعة من الداخل، وتلك الواردة من الخارج، أن اللاعبين المحليين قد ارتاحوا على أوضاعهم الجديدة، ما أعطاهم الشعور الخاطئ بالرضا عن النفس، فخَفُت الزخم لديهم، ما سمح تالياً بعودة طرق العمل القديمة إلى الحياة السياسية اليومية، وكأننا في حالة طبيعية "business as usual" ولسنا في حالة طوارئ قصوى.
تلك الممارسات التي ابتلت بها البلاد سابقاً وأدّت بالنتيجة إلى انهيار شامل اتّصفت من جهة بالتراخي وغض النظر واضاعة الوقت الثمين في تدوير الزوايا فضلاً عن انتاج تسويات فاشلة، و بالتنمّر والصلف والعرقلة والتعطيل والمحاصصة من جهة أخرى.
يمرّ الوقت و تفوتنا الفرص على ما يبدو، وكأن العالم يمكنه انتظارنا، هو الذي تتحكم به قوى كبرى لديها أجنداتها وجداول زمنية لتنفيذ الأعمال المُخطّط لها أن تخدم مصالحها القريبة والبعيدة المدى.
ان ما يُتعارف عليه بتعبير "التذاكي اللبناني" قد أضحى لعبة مكشوفة و انتهت صلاحيته. كان العالم يقابله عموما بالمسايرة، وربما ببعض التفكهة، إنما لم يعد يمثّل مقاربة نافعة في عالم قد تحوّلت فيه الطموحات الجيو-استراتيجية، سياسياُ واقتصادياُ، الى أحجام وأبعاد لم يعهدها التاريخ قط، ناهيك عن أن أصحابها يخطّطون بذهنية شمولية ولا أوسع، ويتحرّكون بكل تصميم وعدوانية لتحقيقها.
اننا نواجه خطر اضاعة البوصلة والتلٌهي بما يُخَيّل الينا أنه ضروري وهام بدلاً من ادامة التركيز على الأولويات المفروض اتمامها، وبسرعة، من أجل إصلاح البلد وانقاذه.
ومثلما أتمّ البلد استحقاقات دستورية في غاية الأهمية منذ ٩ كانون الثاني الماضي دون أن يكون لجبر الخواطر فيها بمكان يُذكر، يتطلّع جمهور زائد من اللبنانيين إلى اقدام القيّمين على السلطة التنفيذية على حسم موضوع حصر السلاح بيد الدولة في برنامج محدّد، و تعيين نواب حاكم مصرف لبنان، وتجديد دم لجنة الرقابة على المصارف، وإنجاز التشكيلات القضائية والادارية والدبلوماسية، متسلّحين بالصلاحيات الدستورية المعطاة لهم وبآليات الانتقاء الموضوعية التي نثق بهم أن يضعوها، لا أكثر ولا أقل.
لا شك بأن في هذه المبادئ والأسس الديمقراطية ما يكفل بأن تُتّخذ قرارات وطنية و سيادية صرف، تصب في خدمة البلاد والعباد.
ان ما يظهر في التطوّرات المتسارعة على الساحة هو أن الفرص التي تتعاقب حالياً ستخمد عاجلاً وليس آجلاً. فحبذا لو نتحرّك بالسرعة اللازمة لكي لا نضيّع فرصة المستجدات الحاصلة في المنطقة، فنُبعِد عن أنفسنا شبح المناحة التي تتأتى من القبوع في مساحة الراحة!