محمد البابا

بين نيران الشرق والشرق الأقصى: كيف يرى الشارع الأوروبي الحرب بين إسرائيل وإيران؟

4 دقائق للقراءة

في لحظة بدت فيها المنطقة تتجه نحو تسويات مؤقتة، فاجأت إسرائيل العالم بشن ضربة جوية واسعة النطاق ضد منشآت عسكرية إيرانية، في قلب العمق الإيراني، ما أدى إلى رد انتقامي عنيف من طهران استهدف قواعد ومواقع إسرائيلية باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية، لتشتعل بذلك حربٌ إقليمية غير مسبوقة بين خصمين تاريخيين.




هذه المواجهة، التي اندلعت فجأة لكنها كانت تُطبخ على نار هادئة منذ سنوات، لم تمرّ مرور الكرام في الشارع الأوروبي، الذي يتابع يوماً بعد يوم تصاعد اللهب في الشرق الأوسط، في وقت تستعد فيه أوروبا لاحتمال مواجهة مباشرة مع روسيا على حدودها الشرقية.



في استطلاع للرأي أُجري في عدة دول أوروبية، أبدى أكثر من 60% من المواطنين في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا خشيتهم من تحوّل هذا النزاع إلى حرب شاملة في المنطقة، تشمل دولاً مثل لبنان وسوريا والعراق، وربما تستجلب تدخلات عسكرية مباشرة من الولايات المتحدة وروسيا، ما يهدد الاستقرار الإقليمي والدولي. القلق الشعبي لا يقتصر فقط على الجانب الأمني، بل يتعداه إلى تأثيرات محتملة على الاقتصاد، وعودة موجات اللجوء، وارتفاع أسعار الطاقة في ظل توتر الملاحة في مضيق هرمز.




وعلى المستوى الرسمي، تبنت الحكومات الأوروبية خطابًا حذرًا وغير منحاز، دعت فيه إلى "ضبط النفس" و"عدم الانزلاق إلى صراع مفتوح"، لكنها امتنعت عن توجيه اتهامات مباشرة لأي طرف. هذا الموقف يعكس محاولة أوروبية واضحة للحفاظ على العلاقات مع الطرفين، لا سيما في ظل مفاوضات سابقة حول البرنامج النووي الإيراني، والتنسيق الأمني والاستخباراتي القائم مع إسرائيل.



إلا أن هذا التوازن في الخطاب الرسمي لا يعكس واقعًا منسجمًا داخل المجتمعات الأوروبية. إذ برزت انقسامات حادة في الرأي العام بين من يرى أن إسرائيل استخدمت القوة المفرطة وأشعلت الحرب، وبين من يحمّل إيران مسؤولية التصعيد ودعمها لجماعات مسلحة تشكل تهديدًا مباشرًا لجيرانها. هذا التباين في المواقف كان واضحًا أيضًا في الإعلام الأوروبي، حيث اتخذت بعض الصحف كـFrankfurter Allgemeine Zeitung وThe Times مواقف مؤيدة للسردية الأمنية الإسرائيلية، بينما ركّزت وسائل أخرى مثل Libération الفرنسية وEl País الإسبانية على الأبعاد الإنسانية والضحايا المدنيين، خاصة في الضربات التي طالت مناطق مأهولة وسقوط مدنيين.




الشارع الأوروبي لا يعيش هذه الأزمة كمتفرّج فحسب. في مدن مثل باريس وبرلين وبروكسل، خرجت تظاهرات ووقفات احتجاجية عكست التعدد الثقافي والديموغرافي داخل المجتمعات الأوروبية. الجاليات الإيرانية المعارضة للنظام في طهران دانت ما وصفته بـ"سياسة الانتحار العسكري" للنظام، في حين نظّمت الجاليات العربية والفلسطينية فعاليات داعمة لـ"حق المقاومة"، معتبرة أن الضربات الإسرائيلية هي جزء من مشروع توسعي لا يمكن تجاهله.




كل هذا يجري في ظل واقع أكثر خطورة: أوروبا تعيش حالة استعداد عسكري متزايد على حدودها الشرقية، مع ازدياد التحذيرات من احتمال توسيع روسيا نطاق عملياتها لتطال دولًا في البلطيق أو حتى بولندا. هذا الواقع يجعل من الحرب في الشرق الأوسط مصدر تهديد مزدوج: مباشر من ناحية التبعات الأمنية والاقتصادية، وغير مباشر من حيث تشتيت تركيز الحلفاء الغربيين في وقت يُفترض أن تتركّز فيه الجهود على الجبهة الروسية.




الخبراء الأمنيون في أوروبا يرون أن اندلاع هذه الحرب وفي هذا التوقيت تحديدًا يصبّ في مصلحة الكرملين، حيث يتزامن مع ضغوط اقتصادية متنامية على الحكومات الأوروبية، وتصاعد شعبوية اليمين المتطرف، وتآكل الثقة بمؤسسات الاتحاد الأوروبي. وبحسب الخبير العسكري كريستيان مولر في مقابلة مع قناة Euronews، فإن "تعدد الجبهات في وقت واحد هو أسوأ سيناريو استراتيجي لأوروبا، التي لم تستعد بعد للخيار العسكري الشامل".




وبينما تتعامل الشعوب الأوروبية مع الحرب الإسرائيلية – الإيرانية كأزمة جديدة تضاف إلى سلسلة الأزمات المتلاحقة، تتزايد الأسئلة الصعبة حول قدرة أوروبا على الصمود كجبهة موحدة، وعن الدور الذي يجب أن تلعبه في عالم تتآكل فيه الخطوط الحمراء وتتغير فيه موازين القوى بشكل يومي.




ففي النهاية، أوروبا التي لطالما آمنت بالاستقرار والتوازن والدبلوماسية، تجد نفسها اليوم بين نيران مشتعلة في الشرق الأوسط، وظلال دبّ روسي يتقدّم من الشرق، وهي تدرك تماماً أن تجاهل هذه الحرب لن يمنع نيرانها من الوصول إلى أبوابها.