د. جوسلين البستاني

حين تُترك إيران وحدها

4 دقائق للقراءة
إيران انتقلت من "عقل مُدبّر" إلى "هدف" (رويترز)

تدفع إيران منذ 13 حزيران 2025 ثمن عقودٍ متتالية من سياسة الازدواجية، كي لا نقول النفاق. فقد شكّل التعتيم النووي الإيراني نمطاً تاريخياً من الإنكار، بدءاً بما قيل عن فتوى تحريم الأسلحة النووية، التي أعاد التذكير بها أخيراً المُتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي. مع العلم أنه في العام 1984، أكّد رئيس الجمهورية الإسلامية آنذاك السيد علي خامنئي، أن المرشد الأعلى الإمام الخميني «قرّر إعادة تنشيط البرنامج النووي» بسبب اشتداد الحرب مع العراق. هذا فضلاً عن أن تلك الفتوى ليست مُقنّنة ضمن الدستور الإيراني، ما يجعلها عرضة للتراجع في أي وقت.



ثمّ، ألم يُصرّح عام 2016، مهدي طائب، رئيس مجلس إدارة «مقرّ عمّار الاستراتيجي للحروب الناعمة» التابع لمكتب المرشد الأعلى، بأن «امتلاك إيران للقنبلة الذرّية يعزّز الحكومة الإلهية؟»، بحسب تعبيره. وعاد لاحقاً وأكّد الرئيس الأسبق رفسنجاني أن إيران «لن تتخلّى عن قدراتها النووية المُرتبطة بتصنيع السلاح النووي»، وذلك بعد التوصّل إلى الاتفاق النووي مع دول مجموعة 5+1. وكان قد سبقه إعلان آية الله أحمد خاتمي، الذي قال إن إيران تمتلك القدرة على صُنع القنبلة الذرّية.



من جهة أخرى، تُظهر سجلات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية التي رُفعت عنها السرية، أن إيران، وعلى الرغم من مزاعمها العلنية في شأن المُحرّمات الدينية، سعت مراراً وتكراراً إلى امتلاك قدرات نووية سرّية. أي أن استراتيجية الخداع تحوّلت إلى نمط ثابت، سواء في ما يتعلّق بالغموض النووي، أو في السلوك المُمنهج تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فلِعدة سنوات، عمدت إيران إلى تضليل الوكالة عبر الشفافية الزائفة، والتعاون الإنتقائي، وتأخير عمليات التفتيش، والإخفاء المنهجي للمواقع غير المُعلنة والبرامج السرّية. ومن أبرزها، خطة AMAD، التي هدفت إلى إنتاج خمس قنابل نووية بحلول عام 2004.



وفي عام 2021، عادت إدارة بايدن واستأنفت المحادثات النووية مع طهران. غير أن سلوك إيران التفاوضي أدّى إلى نفور حتى وسطاء الاتحاد الأوروبي. أخيراً ومع عودة ترامب وإصراره على حلّ الملف النووي الإيراني سلمياً، اعتقد المسؤولون في طهران خطأً أن بإمكانهم بلوغ أهدافهم عبر المناورة والاستنزاف. بالتالي، فإن فقدان الصدقية كان من أبرز العوامل وراء الردّ الدولي الخافت، وغياب الإدانات الشاملة لضربات 13 حزيران. فعلى المستوى الإقليمي، عكست ردود فعل دول مجلس التعاون الخليجي، والأردن، التي تراوحت بين التحفّظ المدروس والتفهّم الضمني، وجاءت الانتقادات والإدانات بمجملها كأنها رفع عتب.



وفيما حذّرت تركيا من «الانتقام العشوائي»، دعت روسيا إلى وقف التصعيد، وانتقدت الطرفين. بدوره، دان السفير الصيني لدى الأمم المتحدة تصرّفات إسرائيل، وانضم إليه المبعوث الروسي. كما ألمحت إندونيسيا، وجنوب أفريقيا، وبوليفيا وفنزويلا، إلى استخدام غير متناسب للقوة من جانب إسرائيل.



لكن العراق أصدر إدانة صريحة، وكذلك الحوثيون في اليمن. وبالطبع، أطلق «حزب الله» أشدّ الإدانات، إلّا أن موقفه يفتقر إلى أي وزن دبلوماسي على الساحة الدولية. من جهتها، حضّت الأمم المتحدة جميع الأطراف على ضبط النفس، من دون أن تلجأ إلى أي إجراء مُلزم. كذلك، شدّدت المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا على ضرورة حماية أمن إسرائيل، مع التأكيد على أهمّية العودة إلى المسار الدبلوماسي.


ما زالت الدول الغربية تتوخّى الحذر، فهي تدعم حقوق إسرائيل الدفاعية وتُعزّز الردع الإقليمي عبر نشر حاملات طائرات ومنظومات صواريخ اعتراضية، مع الحرص على تجنّب التصعيد المباشر. فقد أرسلت الولايات المتحدة دفاعات صاروخية إضافية إلى المنطقة، وتحتفظ بخطط طوارئ وإن لم تتدخل عسكرياً حتى الآن، رغم الدعم الحزبي المُحتمل لأي خطوة لاحقة. وبالمِثل، عزّزت المملكة المتحدة حضورها العسكري من خلال نشر قوات بحرية ومنظومات ردع دفاعي.


ويُشير دخول هذا النوع من الدعم العسكري الدفاعي إلى أن التصعيد لا يزال مرتفعاً وقد يمتدّ الصراع لفترة أطول ويكون أكثر تقلّباً مِمّا كان متوقّعاً. فطيف الاحتمالات يتراوح بين إدارة مدروسة لسياسة الاحتواء، وبين انزلاق تدريجي إلى دورات مفتوحة من المواجهات العسكرية والسيبرانية، مع الحرص المتبادل على تجنّب حرب إقليمية شاملة. ومن المرجّح أن تتّخذ مجموعة الدول السبع موقفاً حازماً يدفع في اتجاه ضبط النفس والدبلوماسية في شأن الملف النووي الإيراني، ودعم إسرائيل، مع تجنّب إصدار بيان موحّد بحذر حفاظاً على التماسك وسط الانقسامات بين الولايات المتحدة وأوروبا.



لكنّ الواضح هو عُزلة إيران، التي انتقلت من «عقل مُدبّر» إلى «هدف»، نتيجة سوء التقدير الاستراتيجي. لذلك، لا أحد يذرف دمعة على طهران، والأهمّ أنّ الصبر الدولي قد نفد تماماً.