جنى جبّور

صواريخ عابرة وقلق نووي

"تشرنوبيل ثانية"... هل ينجو لبنان؟

8 دقائق للقراءة
ألسنة اللهب والدخان تتصاعد من منشأة إسرائيلية أصابها صاروخ إيراني (رويترز)

في سماء لبنان، حيث أصبح الرقص على إيقاع الصواريخ العابرة وأصوات الانفجارات مشهدًا مألوفًا، يبرز هاجسٌ أعمق وأكثر ترويعًا يقض المضاجع: كارثة نووية وشيكة. فمع تصاعد طبول الحرب في المنطقة، وارتفاع حدة الخطابات السياسية والتحليلات العسكرية حول البرامج النووية الإيرانية والإسرائيلية، لم يعد الحديث عن كارثة محتملة مجرد سيناريو بعيد، بل شبحًا حقيقيًا يهدد المنطقة بأسرها؛ ولبنان في قلب العاصفة. فما الذي يعنيه حقًا "تشرنوبيل ثانية" بالنسبة لبلدنا؟



تقترب إيران خطوة بخطوة من حافة امتلاك قنبلتها النووية الأولى، مثيرةً جنون إسرائيل التي لا توفر جهدًا لمنع ذلك، بينما يُعتقد أن إسرائيل نفسها تجلس على ترسانة نووية هائلة. وفي هذا المشهد المتفجر، تتجاوز الكارثة الوشيكة حدود السياسة لتدق ناقوس الخطر العلمي. نسأل الخبير في الأمن والسلامة النووية، خريج "المعهد العالمي للأمن النووي" (فيينا- النمسا) أدولف عيد عن الفرق بين المنشآت النووية والمفاعل النووية لفهم ماذا يدور من حولنا، فيقول:


"بالنسبة للأولى (منشآت التخصيب)، يبدأ العمل باليورانيوم الطبيعي المستخرج من المناجم، والذي يتكون بشكل أساسي من عنصرين: اليورانيوم-238 (بنسبة 99.3 %) واليورانيوم-235 (بنسبة 0.7 %). العنصر الثاني، هو الأهم لأنه قابل للانشطار ويستطيع إطلاق تفاعل نووي متسلسل عند قصفه بالنيوترونات. تتم عملية التخصيب لزيادة نسبة اليورانيوم-235؛ فمثلًا، لإنتاج الكهرباء، ترفع نسبته إلى 3-5 % فقط. يُعتبر التخصيب منخفضًا إذا كان أقل من 20 %، ومرتفعًا إذا تجاوز 20 %. عندما تتعدى نسبة التخصيب 20 %، تتدخل "الوكالة الدولية للطاقة الذرية للاستفسار" عن الأهداف الحقيقية للاستخدام.


على النقيض، عندما يدخل اليورانيوم المخصب (بنسبة 3-5 %) إلى قلب المفاعل النووي لإنتاج الطاقة، تُطلق نيوترونات تسبب انشطارًا نوويًا تنتج عنه مواد شديدة الإشعاع والسمّية. إذا قُصف المفاعل، ستنطلق أطنان من هذه المواد المشعة والسامة في الجو، لتنتشر مع الرياح وتسبب تساقطًا نوويًا على المدن والمحيطات. إضافة إلى ذلك، يُستبدل الوقود النووي المستنفد كل فترة (12 إلى 24 شهرًا)، ويُبرّد في أحواض مياه خاصة ثم يُدفن كنفايات نووية. وفي وقوع حال أي هجوم، سينفجر الوقود المستنفد، مما يُسبب تلوثًا إشعاعيًا هائلًا ويزيد من حجم الكارثة بشكل كبير".



بين "ديمونا" و"بوشهر"... ما مصيرنا؟

في حال استُهدفت منشآت التخصيب، سيكون التلوث غالبًا موضعيًا وخفيفًا لأنها غالبًا ما تكون تحت الأرض. لكن ماذا لو ضربت إيران أو إسرائيل مفاعل الخصم النووي؟ يجيب عيد بأن "ضرب المفاعلات النووية أمر مستبعد"؛ إيران لن تهاجم مفاعل ديمونا الإسرائيلي (الذي يُعتقد أنه قلب برنامج إسرائيل النووي السري في صحراء النقب)، وإسرائيل لن تستهدف مفاعل بوشهر الإيراني (محطة الطاقة النووية الوحيدة العاملة في إيران والمتصلة بالشبكة الكهربائية).


ومع ذلك، لو سلّمنا جدلاً باستهداف مفاعل ديمونا، فإن الرياح في فصل الصيف تهب جنوبية إلى جنوبية غربية (10-25 كم/ساعة). هذا يعني أن المواد المشعة الخطرة ستحملها الرياح لتؤثر أولاً على إسرائيل والضفة الغربية، ثم الأردن (بما في ذلك العقبة وعمّان)، وصولاً إلى مصر (صحراء سيناء) وبشكل متوسط على شمال غرب السعودية وجنوب سوريا. أما بالنسبة للبنان، فاحتمال تأثره ضئيل جدًا؛ لأن اتجاه الرياح لا يهب نحوه، وإن وصله شيء فسيكون ضعيفًا.


أما لو افترضنا أن إسرائيل استهدفت مفاعل بوشهر الإيراني، ففي تلك المنطقة تهب الرياح شرقًا، كما أنّ بوشهر تبعد عن لبنان حوالى 1500 كيلومتر وهي مسافة بعيدة؛ وبالتالي، فإن الدول المتضررة أولاً ستكون إيران، العراق، ودول الخليج العربي بأكملها (الكويت، عُمان، البحرين، السعودية وقطر). ستمتد آثار الانفجار أو "الغيمة" المشعة لمسافة تتراوح بين 500 إلى 1000 كيلومتر، مما سيؤثر على المنطقة بأكملها على جميع الأصعدة".


لا تشبه الانفجارات في منشآت التخصيب كارثة "تشيرنوبيل"، إذ إن آثارها الجانبية، كالتلوث، تكون محدودة. أما في حال استُهدف مفاعل نووي مثل "ديمونا" أو "بوشهر"، فإن الانفجار سيُحدث كارثة شبيهة بـ"تشيرنوبيل" أو "فوكوشيما". هنا تكمن الخطورة الكبرى. ويكمل عيد حديثه قائلاً:


"في حال وقوع هجوم على إحداها، سيكون التأثير مميتًا ضمن نطاق 30 إلى 100 كيلومتر من نقطة الاستهداف، وخارج هذا النطاق سيبدأ تلوث بيئي واسع يتطلب مليارات الدولارات لإزالته"، مضيفًا: "تتوقف خطورة التعرض للإشعاع على الجرعة: فجرعة 7 غراي (وحدة قياس للجرعة الإشعاعية) تكفي لقتل 100 % من المصابين، بينما جرعة 3.5 قد تؤدي لوفاة 50 %، في حين أن جرعات 1 إلى 2 غراي تحمل آثارًا صحية ضارة على المدى الطويل. ويمكن أن تصل الإشعاعات إلى المناطق المتأثرة في غضون ساعات إلى أيام، اعتمادًا على سرعة واتجاه الرياح".



نظامنا الصحي جاهز؟

يختلف التعرض للتلوث الإشعاعي تمامًا عن التعرض لانفجار نووي، وكلاهما يختلف عن الإشعاع المستخدم في علاج السرطان. يؤكد المتخصص في الطب الشعاعي وعلاج السرطان البروفيسور نيكولا زوين أن لبنان، بما أنه لا يمتلك مفاعلات نووية، فإن خطر تعرضه لكارثة إشعاعية مباشرة ضئيل جدًا، خلافًا لبعض التكهنات السياسية؛ لكنه يفصّل الفروقات في التأثيرات الصحية للإشعاع، لافتاً الى أنّ "الأشخاص القريبون جدًا من مصدر الإشعاع يكونون الأكثر عرضة للخطر.


قد تظهر عليهم حروق جلدية مميتة خلال ساعات، وفي الجرعات القوية جدًا، يتأثر الدماغ والخلايا الدماغية مباشرة مما يؤدي إلى وفاة سريعة"، مطمئنًا أن "هذا الخطر المباشر لا يهدد لبنان، وبالتالي لن يُرهق نظامه الصحي بحالات حرجة بهذا المستوى".


يكمل حديثه مؤكدًا أنّ التعرض لكميات إشعاع أقل ولكن مرتفعة نسبياً، يؤثر على النخاع الشوكي. وبعد أيام قليلة، قد يفقد المصاب كريات الدم البيضاء والحمراء، مما يسبب نزيفًا يشبه اللوكيميا. كما يمكن أن تؤثر الكميات الأقل على الرئتين، وتختلف الأعراض والمخاطر حسب الجرعة الممتصة. وبالنسبة للمناطق البعيدة، قد يسبب التسرب الإشعاعي (في الجو أو الماء) أمراضًا سرطانية على المدى الطويل، خصوصًا لدى الأطفال، وقد تظهر بعد 10 إلى 15 عاماً، مما يزيد نسبة السرطان في المنطقة، وأكثرها شيوعًا هو سرطان الغدة الدرقية.


يؤثر الإشعاع، حتى بنسب منخفضة، على الصحة الإنجابية لكلا الجنسين (الخصوبة، الخصيتين، المبيضين، الحيوانات المنوية)".

ويختم زوين حديثه مشيرًا الى أنّ "كل عضو في جسم الإنسان لديه قدرة تحمل محددة للإشعاع، وتجاوزها يسبب مشاكل صحية"، لافتًا إلى أنه لا توجد أدوية مضادة للإشعاع سوى اليود، الذي يُعطى في حال التسرب لحماية الغدة الدرقية لا أكثر".


اضطرابات بيئية

بالتأكيد، لن تقتصر تداعيات الإشعاع النووي على صحة الإنسان؛ فالبيئة ستعاني هي الأخرى من آثار مدمرة، بحسب الخبيرة الدكتورة فيفي كلاب، إذ ستتأثر جميع النظم البيئية، من تربة وماء وهواء وكائنات حية. وتقول: "تُساهم العوامل الجغرافية في لبنان بشكل كبير في انتشار الإشعاع. تشكل السلاسل الجبلية الشرقية والغربية حواجز طبيعية تجمع الجسيمات المشعة على السفوح المواجهة للرياح.


كما تؤدي الارتفاعات والتضاريس المتنوعة إلى توزيع غير متساوٍ للغبار الذري، فيتراكم في الوديان أو يتشتت على القمم. تُعد الرياح العامل الأهم في تحديد مسار الغبار الذري؛ فالرياح المحلية، خاصة القوية منها مثل الخماسينية، تزيد من انتشار الجسيمات لمسافات أطول. بالمقابل، تجرف الأمطار الغزيرة الجسيمات المشعة إلى التربة، بينما يؤدي انحباس الأمطار إلى بقاء الغبار عالقًا في الجو لفترة أطول وانتشاره أبعد".


تمامًا كالبشر، تموت الكائنات الحية القريبة من مصدر الإشعاع مباشرةً بسبب تدمير خلاياها. أما الكائنات الأخرى، فستظهر عليها أمراض حادة، سرطانات، تشوهات خلقية، وضعف في الجهاز المناعي على المدى الطويل، مما يسبب اضطرابًا شاملًا في سلاسل الغذاء، وتشير الى أنّ "النباتات التي تتكاثر بسرعة أو خلاياها تنقسم بنشاط، مثل القمح والذرة والأرز، هي الأكثر حساسية للإشعاع، حيث تمتص المواد المشعة بسهولة من التربة أو الهواء أو الماء، لتصبح سامة.


الأشجار المعمرة، رغم مقاومتها، ستتأثر بتباطؤ النمو والتشوه. الحيوانات الصغيرة والقصيرة العمر، أكثر عرضة للإصابة، بينما تتأثر الأسماك والكائنات البحرية بتلوث المياه. الحيوانات العاشبة ستتلوث مباشرة عبر النباتات المشعة، مما يؤثر على الإنسان ويؤدي إلى نقص حاد في الموارد الغذائية".


بالنسبة للتربة، ستتلوث بمواد مشعة مثل "السيزيوم-137" و"السترونتيوم-90"، مما يجعلها غير صالحة للزراعة لعشرات أو مئات السنين. كما ستنتقل المواد المشعة إلى المياه الجوفية، مما يؤثر على مياه الشرب والري. وتردف كلاب أنّ "الانفجارات النووية ستطلق جسيمات مشعة في الجو تنتقل لمسافات طويلة، مسببة تساقطًا نوويًا يلوث مساحات واسعة، ما قد يؤثر سلبًا على المناخ موقتًا، ويؤدي إلى "شتاء نووي" في الحالات الأكثر خطورة".



تأهب لبناني

لدى لبنان شبكة أجهزة موزعة في كافة أنحائه، تقيس الإشعاع على مدار الساعة، تحت إشراف خبراء من الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية، والذي يتواصل رئيسها مباشرة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هؤلاء الخبراء في حالة استنفار حالياً، يراقبون المستويات عن كثب، ومستعدون لإبلاغ السلطات فوراً في حال ارتفاعها لدق أجراس الإنذار وإطلاق حملات التوعية اللازمة.




د. نيكولا زوين


أدولف عيد




د. فيفي كلاب