فيما يواجه القضاء اللبناني معركة الإستقلالية، يبرز نادي قضاة لبنان كضمير حي، لا يمل في سعيه لتأمين أرضية خصبة لقضاء عادل مستقل و نزيه، بعيداً عن كل أشكال التدخل والمحسوبية.
سنوات طويلة من النضال خاضها النادي، ومحطته الأخيرة كانت بهدف إصلاح مشروع قانون التنظيم العدلي، عبر نشر ملاحظات لإجراء تعديلات جوهرية على المشروع لضمان فعاليته.
وفي آخر التطورات، نظم نادي قضاة لبنان قبل ظهر الأربعاء جلسة نقاش مع الصحافيين حول ملاحظات الجمعية على مشروع قانون تنظيم القضاء العدلي الذي والذي أقرته الحكومة في ٢ أيار ٢٠٢٥، مع التأكيد أن دور النادي يقتصر على تقديم الملاحظات وتسليط الضوء على مواطن الخلل ، فيما يقع على عاتق النواب وضع الصيغة الملائمة.
وحول أبرز الملاحظات على مشروع القانون، اختصرت الهيئة الإدارية لنادي قضاة لبنان الشوائب في ٤ نقاط،معلنةً قبل كل شيء أنها لا تدعي صوابيتها المطلقة:
أولا: الاستقلالية المالية، حيث يُعد غياب الاستقلال المالي من أبرز أسباب تدهور السلطة القضائية.
ومن نتائج غياب الاستقلال المادي كان تراجع رواتب القضاة والقدرة الشرائية، وتدهور التغطية الصحية والتقاعدية، خاصة بعد توقف سندات الخزينة المخصصة لصندوق التقاعد.
ثانياً: الاستقلالية الإدارية التي تغيب أيضاً عن مشروع القانون. وفي هذا الإطار، دعا النادي إلى انتخاب جميع أعضاء مجلس القضاء الأعلى من قبل القضاة، بما يشمل الرئيس الأول لمحكمة التمييز، رئيس هيئة التفتيش القضائي، النائب العام التمييزي.
كما أكد النادي أن منح المجلس شخصية معنوية مستقلة تمكّنه من إدارة شؤون القضاء والتشكيلات القضائية بعيدًا عن التدخلات السياسية. واعتبر أن تمكين القضاة من اختيار سلطتهم الإدارية يشكّل ضمانة حقيقية للاستقلال وبناء الثقة داخل الجسم القضائي.
ثالثاً: ضرورة ان يتضمن المشروع ضمانات لكل قاضٍ بأن يكون محصناً ضمن المؤسسة القضائية، فقد سها النص عن منح القضاة الحق في الطعن في القرارات الصادرة عنها، على سبيل المثال القرارات المتعلقة بالنقل أو الترقية الخ...
كما ان حق القاضي في ممارسة حق الدفاع أو الطعن في القرار الرامي الى اعلان عدم اهليته والصادر بحقه عن مجلس القضاء الاعلى يتم أمام الهيئة العامة لمحكمة التمييز، التي يُشكّلها المجلس نفسه، مما يُفقد الطعن حياده.
رابعاً: حرية التعبير وحق التجمع التي يشدد على أهميتها النادي، رافضاً النص الذي يُلزم القاضي بإبلاغ المجلس قبل 48 ساعة من أي تواصل إعلامي، ومعتبراً إياه قيدًا غير مبرر.
كما نبّه إلى أن أي تقييد لحق القضاة في التجمع يُعد مخالفًا للدستور اللبناني وللمعايير الدولية.
وفي معرض نقاش نادي قضاة لبنان مع الصحافيين عن وجود بعض الثغرات القانونية، لم يخفِ النادي بعض المآخذ على طريقة تشكيل مجلس القضاء الأعلى والتي تتطلب النظر فيها.
وعبّر النادي عن رفضه منطق الانتخاب ضمن الفئات، حيث ينص المشروع على أن قضاة الاستئناف ينتخبون ممثليهم، وقضاة التمييز كذلك.
وفي سبيل الوصول إلى تمثيل حقيقي، رأى النادي أن هذا التقسيم لا معنى له، مطالباً بأن "الكل ينتخب الكل"، حفاظًا على وحدة الجسم القضائي.
أيضاً استعرض النادي مبدأ التوزيع الطائفي الذي يحد من فرصة اختيار الكفاءات.
وعليه، ردّ النادي بأن هذا الطرح لا يمكن أن يكون مجرد نظرية تطبق، لأنه أولا وأخيرا يخالف المادة 95 من الدستور، التي تمنع توزيع المناصب طائفيًا، وتعارض منطق المحاصصة داخل القضاء.
كذلك اشتكى نادي قضاة لبنان من الغموض في آلية التعيين، فالجمع بين 5 منتخبين من القضاة و5 معينين من السلطة التنفيذية، واتخاذ القرارات بأكثرية 7 أصوات، قد يتيح هيمنة سياسية على المجلس.
أما اللافت في مشروع قانون التنظيم العدلي أيضاً فيكمن في أنّ مشروع القانون لم يأخذ بما نسبته 80% من توصيات منتدى العدالة ولجنة البندقية, وهو أمر يجب التوقف عنده وفقاً لـ نادي قضاة لبنان. كما تضمن المشروع عبارات فضفاضة، دون تحديد معايير دقيقة لتشكيل الهيئات القضائية.
وخلال جلسة النقاش مع الصحافيين، رفض النادي التعليقات التي وضعته في خانة الاتهام بعد إجراء سلسلة زيارات إلى سياسيين، مؤكدًا أن الزيارات تلك تُجرى بصفة الكتل النيابية كجهة تشريعية، وليس بصفتها الحزبية. كما أن الزيارات طالت معظم النواب بهدف إيصال وتوضيح ملاحظاته على مشروع قانون تنظيم القضاء العدلي.
ومن النقاشات مع الصحافيين إلى جلسات الحوار مع النواب، يصب جهد نادي قضاة لبنان في مصلحة البحث عن قضاء عادل مستقل، لا يخضع لأي ضغوطات، مع الإصرار على أن الهدف من تقديم الملاحظات ليس التصعيد أو فتح المواجهة مع مجلس القضاء الأعلى، إنما المساهمة في تصويب المسار التشريعي, ربما نصل يوماً ما إلى القضاء الذي نحلم به، ولأن قانون استقلالية السلطة القضائية لا يشكل ضمانةً للقضاة فحسب، بل للوطن والمواطنين على حد سواء.