شادي معلوف

48 ساعة "حامية" على مواقع التواصل

"حلّوا عنّا" وليد عبّود: اجتزاء لفرض أحادية الآراء

6 دقائق للقراءة
الإعلامي وليد عبود

على اسم ووَسْم "وليد عبّود" كانت الـ 48 ساعةً الماضية، ومعه "وزير الإعلام" و "تلفزيون لبنان" اللذَان انضمّا أيضاً إلى لائحة الـ "Trending" بدورهما، والسبب مقدّمة "حلّوا عنّا" المجتزأة من سياقها الكامل في برنامج عبّود "يا أبيض يا أسود" على قناة "Hala Arabia"، والتي فجّرت حلقة جديدة من مسلسل "التخوين وأخواته" الذي يجيده فريق سياسيّ في البلد كلّما لاح في أفق الإعلام أو وسائل التواصل تصريح أو رأي لا يشبه ما يريده ويراه ويأمل فرضه على كلّ لبنان واللبنانيّين. 


إذًا ثمّة من اقتطع دقيقتَين وعشرين ثانية من أربع دقائق هي مدّة المقدّمة الكاملة لحلقة مساء الإثنين الماضي، من برنامج وليد عبّود "يا أبيض يا أسود" الذي تبثّه قناة "Hala Arabia"، والتي كان ضيفاها الناشط السياسي الدكتور هادي مراد والكاتب الصحافي علي سبَيتي. فثارت ثائرة نشطاء مواقع التواصل على ما اعتبروه مسًّا بمجموعة مذهبيّة من اللبنانيّين، لم يرد ذكرها في المقدّمة التي تناولت أصحاب رأي سياسي لا أتباع دين أو طائفة. واستُكملت الحملة الافتراضيّة لتصل إلى مشارف "تلّة الخيّاط" حيث "تلفزيون لبنان" الذي زُجّ في موضوع لا ناقة له فيه ولا جمل، ما اضطرّ المعنيّين إلى طلب مؤازرة أمنيّة خوفًا من احتمال حصول أي توتّرات على خلفيّة تهديدات واعتراضات. واستمرّت الحملة لتشمل مطالبة وزير الإعلام بول مرقص بوقف البرنامج الذي يقدّمه الإعلامي وليد عبّود على الشاشة الوطنية على اعتبار أنه لا ينبغي أن يخرج مثل هذا الكلام من على منبر إعلامي هو لكلّ اللبنانيّين. في المقابل برزت اعتراضات على عدم بثّ حلقة هذا الأسبوع من برنامج "مع وليد عبود" في التلفزيون الرسمي.


"مخلوطة"

باختصار، هي "مخلوطة" من المعلومات والأخبار غير الدقيقة سرت على مواقع التواصل التي في الأساس "من دون دفّ بترقص". فلا المقدّمة التي نُشرت كاملة، ولا الحلقة أذيعت على "تلفزيون لبنان"، ولا قرار رسميًا صدر بتعليق البرنامج. لكنّ الأسوأ أن "الفَوعَة" التي شهدناها لم تقتصر على ناشطين عاديين على "إكس" أو سواها من المنصّات ومواقع التواصل، بل دخلت فيها وجوه من المحترفين في مجال عملهم من المفترض ألا ينساق أصحابها خلف "ترند"، وبينهم بعض الصحافة كجريدة "الأخبار" التي أوردت في عددها ليوم أمس الخميس موضوعًا بعنوان ملتبس: "بين الرأي والتحريض... شعرة وليد عبود: الغرغرينا الانعزالية انتقلت إلى "تلفزيون لبنان"؟"، قبل أن تورد في متن الموضوع الصحافي: "سرعان ما تبيّن لاحقًا أن فيديو وليد عبود لم يُعرض على "تلفزيون لبنان"، بل على قناة "هلا أرابيا"، حيث يقدّم عبود برنامجه "يا أبيض يا أسود"... وسواء نُشرت تصريحات عبود على قناة رسمية أو خاصة، فإنّ مضمونها يُعدّ تحريضًا طائفيًا يعاقب عليه القانون اللبناني، كما يُشكّل إساءةً مباشرة لمؤسسة إعلامية رسمية".


حقائق

لكن إذا أردنا إخراج المشهد أعلاه من حالة "الضياع" التي أنتجت كلّ ما سبق، ومحاولة إعادة الأمور إلى موقعها وحجمها الطبيعيَّين يتبدّى لنا ما يلي:


- برنامج "يا أبيض يا أسود" يقدّمه وليد عبّود مساء الإثنين على قناة "Hala Arabia"، وينطلق فيه من إشكالية "مع" و "ضدّ" حول الموضوع المثار في الحلقة. وفيه مقدّمة تتضمّن وجهتَيْ نظر فريقَي الـ "مع" و الـ "ضدّ" لموضوع النقاش والذي كان في الحلقة محور الاعتراض بعنوان "سجال بين لبنانَين"، والمقدّمة لا تعبّر عن رأي مقدّم البرنامج بل عن رأيَي الفريقَين صاحبَي وجهتَي النظر.


- مقدّمة حلقة "يا أبيض يا أسود" مدّتها 4:00 دقائق وتشمل وجهتَي نظر اللبنانيّين، بينما المقطع المنتشر ومدّته 2:20 ثانية تقصّد من نشره افتعال مشكلة، أو نشره من يريد "التمريك" بالسياسة على الطرف اللبناني المناقض لرأيه، فبلغت الأمور على مواقع التواصل ما بلغته بعد تداول المقطع. 


- عبارة "حلّوا عنّا" التي ردّدها عبّود في مقدّمته لم تكن بمعنى "فلّوا من البلد" لأي فئة أو طرف لبناني كما طاب للبعض الترداد، بل بمعنى "Enough" أي "كفى" والتي يوجّهها أصحاب الرأي "السياديّون" إلى "الممانعين"، تمامًا كما "الممانعين" إلى "السياديّين".


- برنامج "مع وليد عبّود" يقدّمه عبّود عبر "تلفزيون لبنان" مساء الأربعاء، وهو برنامج مختلف عن "يا أبيض يا أسود" الذي، بالمناسبة، لا يعاد بثّه عبر الشاشة الرسميّة اللبنانية كما طاب لبعض المشاركين في الحملة ضدّ عبّود الترداد.


- لم يصدر عن وزير الإعلام أي قرار مكتوب أو شفوي بوقف عرض برنامج "مع وليد عبّود". ما جرى بعد حال التوتّر والتهديدات التي طالت التلفزيون والمطالبات التي وُجّهت إلى الوزير بول مرقص بحجب البرنامج عن التلفزيون، أنّ الأخير أبلغ عبّود بعدم بث الحلقة مساء الأربعاء. علمًا أنّ مصدرًا إداريًّا في "تلفزيون لبنان" أوضح لـ "نداء الوطن" أن "لا وجود لأي قرار حتى الساعة بوقف برنامج "مع وليد عبّود"، لكن منذ بداية الحرب الإسرائيليّة - الإيرانيّة تواكب "مديريّة الأخبار" في التلفزيون الأحداث من خلال تغطيات وحوارات سياسيّة، الأمر الذي أوجب وقف جميع البرامج من الصباح حتى انتصاف الليل. وعودة هذه البرامج، بما فيها برنامج عبّود، منوط بتطوّر الأحداث في الأيام المقبلة"، وبالتالي يؤكّد المصدر أنه "خلافًا لما يتردّد منذ ساعات على مواقع التواصل، لا قرار من الوزير حتى الآن بوقف البرنامج". ومساءً صدر عن إدارة "تلفزيون لبنان" بيان رسمي بالمعنى نفسه الذي أفادنا به المصدر خلال النهار.


الإعلامي وليد عبّود يؤكّد هذا الكلام في حديثه مع "نداء الوطن" ويقول "أُبلغت من الوزير مرقص أن لا حلقة من البرنامج بسبب المتابعة الإخبارية للحرب الإسرائيليّة الإيرانيّة، وأتفهّم أن يكون الاحتقان الذي حدث بعد الحملة التي طالتني وطالت التلفزيون على وسائل التلفزيون حافزًا إضافيًّا للقرار الذي اتّخذه الوزير لحماية التلفزيون وموظّفيه، خصوصًا أنه تمّ طلب حماية من القوى الأمنية للمبنى في "تلّة الخيّاط"". لكن ماذا عن الحلقات اللاحقة ومصير البرنامج برمّته؟ يجيب عبّود: "للبحث صلة الأسبوع المقبل، مع أنني أشتَمُّ ممّا جرى استهدافًا لي من البعض وليس للتلفزيون، وتحديدًا لمنع استمراري من تقديم برنامج "مع وليد عبّود" على الشاشة اللبنانيّة الرسميّة".


إذًا هي قصّة 48 ساعة "حامية" من التراشق على مواقع التواصل انشغل بها اللبنانيّون، بينما العالم من حولهم منشغل بحماوة التراشق الإسرائيلي - الإيراني والذي تمرّ شهبه الحارقة فوق سمائنا. لكن تبقى "العبرة في الخواتيم"، والخاتمة المنطقيّة عودة وليد عبّود إلى برنامجه في "تلفزيون لبنان" حتى لا تتراكم خسارات لبنان من مساحة حريّة الرأي وتعدّدها والتي ينبغي على وزارة الإعلام ووزيرها أن يكونا عرّابيها، والبيان الصادر مساء أمس عن إدارة التلفزيون خطوة إيجابيّة في هذا الاتجاه.