زائدة الكنج الدندشي

النظام الإيراني يستنسخ "لعنة ستالين"

3 دقائق للقراءة
الشعب الإيراني أوّل ضحية لمغامرات الملالي (رويترز)

في عام 1941، اجتاح الاتحاد السوفياتي والمملكة المتحدة إيران بلا مقاومة تُذكر، بهدف تأمين حقول النفط الإيرانية ومنع ألمانيا من السيطرة عليها، واستمرّ ذلك حتى عام 1946، ما أدى أيضًا للإطاحة بالشاه رضا بهلوي وتنصيب ابنه محمد خلفًا له، ليؤكدوا للإيرانيين حينها أن أرضهم لقمة سائغة في موائد الكبار. بعد عقود من ذلك، قدّمت الثورة الإسلامية نفسها كخلاص من تلك الهيمنة الغربية، فإذا بها تستنسخ الفكرة ذاتها: جعلت إيران نفسها دولة متسلّطة على حدود الآخرين، تُصدّر أزماتها بدلًا من حماية شعبها.


عندما رفض الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين مغادرة أذربيجان الإيرانية ودعم حركات انفصال فيها، عاش الإيرانيون إذلالًا تاريخيًا، لم يغادر ذاكرتهم. الجمهورية الإسلامية التي قامت على أنقاض الشاه، لم تتعلّم من الدرس إلّا أسوأه: أن تحصين النظام لا يكون بتحقيق تنمية وكرامة للداخل، بل بفتح جبهات خارجية على حساب دماء العرب.


هكذا أصبح مشروع "تصدير الثورة" سلاحًا لابتزاز دول الجوار، بدءًا من لبنان الذي كان على مدار سنين طوال رهينة "حزب الله"، مرورًا بالعراق الذي ابتلعته الأحزاب الموالية لطهران، إلى سوريا التي عاثت فيها طهران ظلمًا وقتلًا بحجة مكافحة الإرهاب وحماية الأقلية الشيعية، فضلًا عن المصالح الاقتصادية، وصولًا إلى اليمن الذي كان يُسمّى سابقًا قبل "الجمهورية الإسلامية" وقبل جمال عبد الناصر، "اليمن السعيد"، فأي سعادة أبقى عليها نظام الملالي في تلك البلدان؟


لا شك في أن إسرائيل تحتل أراضي عربية وتعتدي متى شاءت، لكن نظام طهران حوّل عداءه لها غطاء من أجل تبرير تدخلاته العسكرية وتمدّده. من خلف شعارات المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي الطنانة والرنانة حول "تحرير القدس"، و"رمي إسرائيل في البحر" جرت تعبئة عشرات الفصائل والمليارات، بينما ملايين الإيرانيين يرزحون تحت العقوبات والتضخم والفساد المزمن الذي طال البلاد وأنهك العباد.


مع الوقت، صار الشعب الإيراني نفسه أوّل ضحية لهذه المغامرات: اغتيالات، انفجارات، هجمات على المنشآت، ومواطنون يدفعون الثمن تحت ذريعة "المقاومة" التي تُدار من مكاتب "الحرس الثوري" ومرشده المختبئ في جحر ما.


اليوم، بعدما حوّلت طهران محيطها لساحات حرب، باتت ترى نفسها محاصرة أكثر من أي وقت مضى. إسرائيل تضرب في قلب إيران بالمقاتلات والطائرات المسيرة، بينما الجبهات التي زرعتها طهران تشتعل بقرار إيراني، ولا أحد يحسب كلفة الدم سوى الأبرياء. وكأن الدرس الذي تركه ستالين أصبح لعنة: كانت إيران ضحية أطماع الخارج، فتحوّلت بفضل نظامها الحالي إلى مصدر أطماع وتدخل وفوضى في الإقليم.


الذاكرة الإيرانية تحفظ جيّدًا كيف أجبر الشعب يومًا ما الشاه المدعوم من الغرب على الرحيل. واليوم، يراقب ملايين الإيرانيين كيف تستهلكهم آلة السلطة التي تتغذى على شعارات العداء لإسرائيل، بينما تستنزف ثرواتهم وتهدّد أمن جيرانهم.


نرى إسرائيل تدك وسط طهران، إن لم يكن من الجوّ فبالجواسيس الذين اخترقوا نظامًا ظن أصحابه أنه لا يقهر، فإذ به يهاجم في عقر داره. وإن كانت إيران قادرة في السابق على التفاوض في شأن برنامجها النووي فقد انقلبت الآية، فهل نرى استسلامًا غير مشروط كما طالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ أيام؟ وهل تطال إسرائيل رأس خامنئي فتنقلب الموازين؟ بحسب الشاعر طرفة بن العبد:

"ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا

ويأتيك بالأخبار من لم تُزوّدِ"