ماري منصف

في عيدَي الموسيقى والأب وذكرى عاصي الرحباني

شربل روحانا: الجمهور يريد عملاً لا يستخفّ بعقله

5 دقائق للقراءة

في 21 حزيران من كل عام، تتقاطع المواعيد في الذاكرة والوجدان والحاضر: عيد الموسيقى، عيد الأب، وذكرى رحيل عاصي الرحباني. تاريخ ليس تفصيلًا عابرًا، بل نافذة على إرث موسيقي لا يُنسى، وعلى عاطفة تتقاطع بين الفنّ والحياة، بين من غابوا جسدًا واستمرّوا نغمة، وبين من يعزفون اليوم على وتر الحنين والبحث المستمر عن الجمال. في هذا اليوم، يفتح الموسيقي شربل روحانا قلبه ويحدّثنا عن الموسيقى، الذاكرة، الأبوّة، والرسالة الفنية.


كلمات شربل روحانا تشبه موسيقاه: صادقة، شفّافة، وعميقة. هو أحد أبرز أعلام عزف العود والتأليف الموسيقي المعاصر. اسمه يرتبط بدندنات العود عندما يتكلم لغة الشّعر. خرّيج «المعهد الوطني العالي للموسيقى» ومؤسِس تجربة موسيقية فريدة تمزج بين التراث والتجريب، بين الروح الشرقية والانفتاح على أنماط العالم. لم يكن روحانا يومًا أسير النمط ولا تابعًا لأي تيار، بل اختار منذ بداياته أن يسلك دربًا فنيًّا يحمل بصمته الخاصة. كتب الموسيقى للمسرح، وللشعر، وللسفر الداخلي، وللعود قبل كل شيء. وجعل تلك الآلة تنطق بالفرح والحزن في آن. هو أيضًا أستاذ أكاديمي، وصاحب عشرات الأعمال الموسيقية والمشاريع المشتركة التي عبرت الحدود، وجعلت من اسمه سفيرًا للصوت اللبناني الجميل في المحافل العالمية.



الموسيقى الرحبانيّة

منذ الطفولة، دخلت «الموسيقى الرحبانيّة» إلى وعي شربل روحانا، من دون أن يدري. لا يتذكر تمامًا متى بدأ يستمع إلى أعمال الأخوين رحباني، لكن بالتأكيد منذ الطفولة. تأثر كثيراً بأغنيتَي «شادي»، و «قمرة يا قمرة»، ومسرحيّة «جبال الصوان»، وبالبساطة المركّبة وذاك الشجن الممزوج بالفرح في صوت السيّدة فيروز. كلّ ذلك جعله يوقن أنّ الموسيقى يمكن أن تكون مسرحًا داخليًا ورحلة تُروى. لم يكن الفنّ يومًا بالنسبة إليه ترفيهًا، بل حوارًا عميقًا مع الزمن والذاكرة. تمامًا كما هي الأبوّة. ويضيف روحانا لـ «نداء الوطن» أنّ الأجيال الجديدة متأثرة بشكل كبير بالرحابنة، «فالكبير عاصي لم يكن مجرّد ملحّن، بل شكّل مع أخيه منصور مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، حيث تجاوزت رؤيتهما الألحان إلى بناء خطاب فنّي يمزج الشعر بالمسرح، والموروث بالسياسة، والحلم بالواقع. وما زلنا نعيش في ظل هذا الإرث».



بابا شربل

عن دوره كأب، يقول شربل روحانا إنّ الأبوّة تشبه الفنّ من حيث الشعور بالورطة العاطفية الأبدية تجاه كائن ينمو أمامك ويتشكل من خلالك. كأب وموسيقي، عاش روحانا في صراع دائم بين التفرّغ للإبداع وبين الحضور الأبويّ. لكنه أدرك مع الوقت أن لا فائدة من فنّ لا يعكس الحياة، وولداه هما الجزء الأهم فيها. يحدّثنا عن التربية الفنّية في منزله، فيؤكّد أنّ الفن لا يُفرض، بل يُزرع. لم يجبر أحدًا في بيته على العزف، لكنّ الموسيقى كانت دائمًا موجودة: في الخلفيّة، في الحديث، في طريقة فهم الحزن والفرح. «الموسيقى تنمّي الحسّ النقدي والذوق والجمال، وتعلّم الإصغاء، وتخلق نوعًا من الانضباط الداخلي»، يقول روحانا.

وعند سؤاله عن إمكانية تأثير الموسيقى في إحداث تغيير في العالم، يُجيب بواقعيّة عالِم وحساسيّةِ شاعر: «نعم، لكن ليس بالمعنى الرومانسي الساذج. الموسيقى لا توقف الحروب، لكنها تُهذّب الحسّ الجمالي وتجنّبنا الابتذال. تُغيّرنا من الداخل، وحين تتغيّر حساسية الإنسان تجاه الإيقاع والنغمة والكلمة، يصبح أقلّ قابلية للانجرار خلف العنف أو «البروباغندا» أو التزمّت. السلام يبدأ من الإصغاء، والموسيقى تمرين على الإصغاء».


الجمهور والموسيقى

في زمن تُنتج فيه الأغنية كما يُنتج الإعلان، يرى شربل روحانا أنّ الجمهور اللبناني لا يزال قادرًا على استقبال الموسيقى النوعية. «وحين نحترم ذوق الجمهور ونقدّم له عملًا جميلاً ومدروسًا، فهو يعرف كيف يُصغي. هناك جمهور متعطش للجديد، نحن فقط بحاجة إلى عمل لا يستخفّ بعقله. وهذا يتطلّب شجاعة من الفنان، وإمكانات إنتاجية تُواكب الفكرة»، ويضيف روحانا: «لدى الجيل الجديد شغف حقيقي، لكنه ضحيّة فائض السرعة والمعلومات. يحتاج إلى مرشدين لا أوصياء. وحين نقدّم له موسيقى صادقة ومعاصرة، ينحاز إليها سريعاً. حدسه سليم، إنما يحتاج فقط إلى بوصلة».


جديده قصائد مغنّاة

جديده الفني، مشروعه الأثير، ألبوم «قصائد الحكمة المغنّاة»: عمل من ألحانه، لقصائد كتبها شعراؤها من الجاهلية حتى القرن العشرين: زهير بن أبي سلمى، المتنبّي، المعرّي، جبران، درويش وغيرهم. قدّمه أخيراً في أمسية مباشرة على المسرح مع «جوقة عشتار» بقيادة الأخت مارانا سعد. لاقى تجاوبًا كبيرًا من الجمهور الحاضر، «لأنّ الناس عطشى للحكمة، لا للضوضاء»، بحسب تعبيره. وبأمنياته النابعة من القلب، يختم العازف والمؤلّف الموسيقي شربل روحانا حديثه معنا بأمنية «أن تبقى الموسيقى مساحة للحرية، لا للتماهي مع السوق. أن تحافظ على جذورها من دون أن تُدفن فيها. أن تجرؤ على قول ما لا يُقال، وتُربّي أذنًا تُفرِّق بين الضجيج والصوت». ويُنهي بَوحه قائلاً: «مستقبل الموسيقى في لبنان سيكون بخير، إذا تواطأنا جميعًا على صناعة الجمال... رغم كل شيء».