مارتن عيد

الحجر يتكلّم: عن البيت والذاكرة والإنسان

6 دقائق للقراءة
"ما لا يُقال بالسياسة يمكن أن يُقال بمنحوتة، وما لا يُحمى بالقانون قد يُحفظ في قطعة رخام"

في المشهد اللبناني، ليس غريبًا أن نجد في حجر جدار قديم ما لا نجده في كتب التاريخ. البيت هنا، منذ قرون، لم يكن مأوى فقط، بل شكلًا من أشكال التعبير عن الهوية والكرامة. كانت العمارة تحاكي الإنسان، لا تفرض عليه شكلًا. كل زاوية في البيت كانت تحمل وظيفة، وذاكرة، ورسالة.


تقنية البناء التقليدي، المعروفة بـ "قَصْب" الحجر، أي تشذيبه يدويًا لكي يتلاءم مع مكانه بدقّة في الحائط، لم تكن مجرّد مهارة معمارية، بل فعل عناية. البنّاء كان فنانًا بالفطرة، يعرف من نظرة واحدة إن كان هذا الحجر يناسب "جيرانه" أم لا. كان العمل دقيقًا، حذرًا، وفيه احترام عميق للمادة. لم يكن الهدف أن تُبنى الجدران سريعًا، بل أن تعيش طويلاً.


هذه العلاقة بين الإنسان والحجر كانت علاقة عضوية. في الجبل، يُنتزع الحجر من قلب الأرض محمّلًا بخشونة الطبيعة، لكنه يُهيَّأ ليُؤمّن الدفء من دون أن يخنق، والصلابة من دون أن يجرح. ولهذا، ليس مستغربًا أن تكون البيوت الريفية القديمة، المبنية بالحجر المقصوب، لا تزال حتى اليوم أكثر ثباتًا من كثير من بنايات الإسمنت الحديثة.


لكن هذا الطابع البنائي لم يبقَ محصورًا في الريف. فمع امتداد الدولة العثمانية، دخلت إلى المشهد المعماري عناصر جديدة: القباب المستديرة، النوافذ المقوّسة بزخارف دقيقة، والمشربيّات الخشبية التي انتقلت من الشرق العربي إلى بيروت والمدن الساحلية. لم تكن هذه التأثيرات غريبة عن البيئة اللبنانية، بل جاءت نتيجة طبيعية لحركة التاريخ والجغرافيا. فقد تأثّرت العمارة المحلية، لكنها لم تفقد هويتها، بل مزجت بين ما هو وافد وما هو أصيل، لتُنتج طابعًا لبنانيًا خاصًا، غنيًا ومتنوعًا، يعكس روح الناس الذين بنوه وسكنوه.


لم تكن هذه التغييرات في شكل البيوت مجرّد تفاصيل هندسية، بل كانت تعبّر عن تحوّلات أعمق في المجتمع والثقافة. فكل عنصر معماري، من حجم القوس إلى نقشة البلاط، كان يعكس ذوق الناس، ومستواهم المعيشي، وطريقتهم في رؤية الحياة. وحين ننظر اليوم إلى هذه البيوت، نرى فيها أكثر من حجارة، نرى فيها كيف تطوّرت الأفكار، وتغيّرت القيم، وتكيّف الناس مع الزمن والضغوط والتأثيرات الخارجية.


بين الكلمة والحجر: تعبير الفن اللبناني عن الذاكرة

في مسار الفن اللبناني، لا يظهر الحجر فقط كمادة بناء، بل كمكوّن تعبيري له رمزية عميقة. هذه الرمزية لم تنحصر في النحت وحده، بل ظهرت في الكلمة، عند كتّاب مثل جبران خليل جبران، الذي لم يشتغل على الحجر بيده، لكنه منحه في أدبه بعدًا روحيًا وإنسانيًا. في نصوصه، نجد الطبيعة شريكة للإنسان في الألم والحكمة، والصخرة ليست جامدة بل ناطقة بلغة من ينتبه. لم يكن جبران نحاتًا، لكنه مهّد لأرضية فكرية ترى في الجماد إمكانية الحياة، وفي الشكل وسيلة للتأمل في ما هو أبعد من المرئي.


لاحقًا، جسّد بعض الفنانين هذه الرؤية في أعمالهم النحتية. رودي رحمة على سبيل المثال، لم يأتِ بالفن إلى الطبيعة، بل استخرج الفن منها مباشرة. في مشروعه في غابة الأرز، نحت الأشجار والصخور في مكانها، من دون أن ينقلها إلى محترفه. أعماله هناك ليست تماثيل تقليدية، بل محاولات لصياغة حوار بين الكائن الطبيعي واليد البشرية. لم تكن النتيجة مجرّد أشكال، بل مشاهد محفورة في المكان، تؤكّد أنّ الفن يمكن أن يعيش حيث ينمو الحجر، لا خارجه.


أما ألفرد بصبوص، فكان من أبرز نحّاتي القرن العشرين في لبنان. عمله اتسم بالهدوء والدقة، وببحث مستمر عن اختزال الشكل لصالح الفكرة. جسده النحتي ليس واقعيًا، لكنه مألوف، متأمّل، ومفتوح على التأويل. تأثره بالحضارات القديمة، وبالفن الكلاسيكي، واضح في التكوين، لكنه لم يكن أسيرًا له. في منحوتاته نرى الجسد الإنساني مُبسّطًا إلى خطوط وانحناءات تعبّر عن الضعف والقوة، عن العزلة والاندماج، وكأنّ الكتلة النحتية هي لغة خاصة للحوار مع الإنسان ومع الزمن.


حين ينحت الإنسان نفسه

لكن لبنان، كما هو معروف، ليس بلدًا يحتفظ بأشيائه كما هي. في العقود الأخيرة، تهدّمت بيوت، تآكلت ذاكرة، وباتت رموز كثيرة مهددة بالنسيان. هنا، وجد الفنّانون الشباب أنفسهم أمام مسؤولية مختلفة: كيف نعبّر عن واقع لم يعُد فيه بيت؟ كيف نتعامل مع حجر مكسور؟ هل نرثه؟ نرفضه؟ أم نعيد تشكيله بلغة تُشبهنا؟


لم يتعامل الجيل الجديد من الفنانين مع الماضي كأثر جامد أو متحف مغلق، بل كمصدر حي يمكن استنطاقه والتفاعل معه. البعض منهم عاد إلى تفاصيل البيوت المهجورة واشتغل على بقاياها الملموسة، والبعض الآخر فضّل أن يتعامل مع فكرة "البيت" من زاوية رمزية أو شعورية. لم تكن القناطر والنوافذ مجرد عناصر لإعادة تشكيلها بصريًا، بل إشارات تُستحضر لتثير إحساسًا أو تساؤلًا. في أعمالهم، نشعر بالصمت، وبالغياب، وبالفراغ الذي خلّفته البيوت المهدّمة. فالبيت، بالنسبة لهم، لم يعد فقط مكانًا نعود إليه، بل حالة داخلية نتأملها، ونشتاق إليها، وربما نفتقدها.


في معرضه الأخير "كُلُّ آتٍ قريب"، يقدّم طارق القاصوف تجربة فنية خارجة عن المألوف، تتجاوز العرض البصري نحو مسار تأملي شخصي. فهو لا يكتفي بتقديم منحوتات كلاسيكية، بل يدمج بين النحت الثابت والعناصر المتحرّكة، ليصوغ رحلة داخلية تمر عبر مراحل الحزن: من الإنكار إلى الغضب، فالتفاوض، والاكتئاب، وصولًا إلى القبول.


ما يقدّمه القاصوف ليس استعراضًا لمهارات تقنية، بل استحضاراً لزمنٍ داخلي، خافت ومكثّف، يجعل من كل قطعة وقفة مع الذات. في منحوتاته، تتحوّل خصائص الحجر إلى لغة حوار: ليست المادة غاية بحد ذاتها، بل وسيلة للإنصات، للتعبير، ولطرح الأسئلة الكبرى حول التحوّل، الفقد، والمعنى.


اللافت أنّ هذه التجربة لا تأتي تتويجًا لمسار طويل من التجارب، بل في مرحلة مبكّرة من مسيرة طارق القاصوف الفنية. وهذا ما يمنحها فرادتها. إذ تنطلق من موقع نضج فكري ووعي وجودي. منحوتاته لا تكتفي بإبراز الحرفية، بل تُظهر فهمًا عميقًا لدور الفن كوسيلة للتأمل الشخصي وللتعبير عن الأسئلة الكبرى المرتبطة بالزمن، والفقد، وتحولات الذات. بهذا المعنى، لا يعود النحت مجرّد تشكيل جمالي، بل مساحة يلتقي فيها الإنسان مع ذاته، ومع هشاشته، ومع محاولته الدائمة للتماسك.


نحو فهم جديد للفن… والبيت

ما يطرحه الفن اللبناني اليوم ليس فقط كيف نُمثّل الحجارة أو نُعيد تدوير الرموز، بل كيف نمنحها معاني جديدة. كيف نُعيد تعريف "البيت" لا فقط كمساحة ملموسة، بل كحالة، كعلاقة وفقدان. من القرى الحجرية إلى محترفات النحت المعاصر، ومن البنّاء الذي يقصّب الحجر إلى الفنان الذي يجسّد الغياب، هناك خيط مشترك: الرغبة في التعبير، في الحفظ، وفي الصياغة.


في بلد تتصدّع فيه البنية التحتية والرمزية معًا، يصير الفنّ نوعًا من الترميم غير المادي. ترميم للذاكرة، للهوية، وربما أيضًا للكرامة. لأن ما لا يُقال بالسياسة، يمكن أن يُقال بمنحوتة. وما لا يُحمى بالقانون، قد يُحفظ في قطعة رخام.