المقدمة
لعل أكثر ما يخدع الإنسان في حياته، لم يكن الكذب...بل المشهد الأول؛ فكم من حقيقةٍ بدت واضحة، ثم اكتشفنا أنها لم تكن كاملة. وكم من إنسانٍ حكمنا عليه من لقاءٍ عابر، ثم احتجنا سنوات لنعتذر، ولو في أعماقنا، عن ذلك الحكم. وكم من قرارٍ ظنناه صوابًا، فإذا به يقودنا إلى ما لم نكن نريده. وكم من خسارةٍ اعتبرناها نهاية الطريق، ثم أدركنا، بعد زمن، أنها كانت بداية طريقٍ أفضل.
ليست الحياة فقيرة بالمشاهد...بل غنية بما يختبئ خلفها.
وربما لهذا السبب، كانت أكثر أخطاء الإنسان لا تبدأ من سوء النية، ولا من قلة الذكاء، بل من وهمٍ قديم يرافقه منذ فجر التاريخ:
أن ما يراه يكفي. ومن هنا يبدأ سؤال هذا المقال...
هل تكفي النظرة؟
كل معرفة تبدأ بنظرة... لكن أكثر أخطاء الإنسان تبدأ حين يظن أن النظرة تكفي. فمنذ طفولته، يتعلم الإنسان أن يرى الوجوه والأشياء، ثم يتعلم أن يرى الأفكار، والمواقف، والناس، والحياة نفسها. لكنه لا ينظر بعينيه وحدهما، بل بخبرته، وذاكرته، ومخاوفه، وآماله، وقناعاته، وحتى بجراحه التي لم تلتئم بعد.
ولهذا، قد يقف شخصان أمام المشهد نفسه، ثم يغادر كل منهما بفهم مختلف؛ لا لأن أحدهما كذب، بل لأن كلًّا منهما رأى من زاوية مختلفة؛ فالنظرة ليست مجرد ما تلتقطه العين، بل ما يمر عبر الإنسان كله؛ ولهذا، كثيرًا ما تكشف أحكامنا عن أنفسنا أكثر مما تكشف عن الواقع. ولعل أول أبواب الحكمة اعترافٌ بسيط: ربما لم أرَ المشهد كاملًا بعد.
فالمشهد لا يكذب، لكنه لا يروي الحكاية كلها؛ نرى الكلمة ولا نرى السنوات التي صنعتها، ونرى القرار ولا نرى الصراع الذي سبقه، ونرى النجاح ولا نرى الثمن الذي دُفع للوصول إليه.
وليست المشكلة في أن الإنسان يرى، بل في أنه يكتفي بما يرى، ثم يبني عليه حكمًا نهائيًا؛ وما أكثر المرات التي ظلمنا فيها إنسانًا، لا لأننا اخترعنا عنه كذبة، بل لأننا صدقنا جزءًا من الحقيقة، وتعاملنا معه كأنه الحقيقة كلها.
فما ينقص الإنسان ليس مشهدًا جديدًا، بل نظرةً جديدة إلى المشهد نفسه؛ نظرةً تتجاوز الظاهر، وتدرك أن الحقيقة أوسع دائمًا من النظرة الأولى.
وهنا تبدأ رحلة مختلفة، ليست رحلة العين، ولا رحلة المعرفة، ولا حتى رحلة الذكاء، إنها الرحلة التي يتعلم فيها الإنسان أن يقاوم إغراء الأحكام السريعة، وأن يرى الأشياء في سياقها الكامل؛ إنها الرحلة... إلى ما وراء المشهد.
حين لا يكفي الذكاء
إذا كانت النظرة الأولى لا تكفي... فما الذي يحتاجه الإنسان حتى يرى أبعد؟ هنا يبدأ الحديث عن الحكمة.
لقد نجح الإنسان، عبر تاريخه، في أن يقيس أشياء كثيرة، لكنه لم ينجح في أن يقيس الحكمة؛ فأصبح في وسع اختبار لا يستغرق أكثر من ساعة أن يخبرنا بدرجة ذكاء الإنسان، لكنه لا يستطيع أن يقيس حكمته؛ وليس لأن الحكمة غامضة، بل لأنها لا تُقاس بما يعرفه الإنسان، بل بما يصنعه بما يعرف.
فالذكاء يمنح الإنسان القدرة، أما الحكمة، فتهبه الاتجاه. ولعل سبب الخلط بينهما أن الإنسان كثيرًا ما يخلط بين المعرفة والذكاء والحكمة، مع أن لكل واحدة منها دورًا مختلفًا.
فالمعرفة تجيب عن السؤال: ماذا؟ والذكاء يجيب: كيف؟ أما الحكمة فتسأل: لماذا؟ وهل ينبغي؟
ولعل مثالًا واحدًا يوضح الفرق، فقد يعرف الطبيب أعراض المرض وأسبابه، وهذه معرفة؛ ويستطيع أن يحلل الفحوص ويصل إلى التشخيص الصحيح، وهذا ذكاء؛ لكن الحكمة تظهر عندما يقرر العلاج الأنسب، ويعرف كيف يخبر المريض بحقيقته، ومتى يقولها، وبأي أسلوب، فيوازن بين دقة العلم وكرامة الإنسان.
وينطبق الأمر نفسه على القاضي؛ فهو يعرف القانون، وهذه معرفة؛ ويفهم نصوصه ويجيد تفسيرها واستنباط مقاصدها، وهذا ذكاء؛ لكن الحكمة تظهر عندما يطبقه بروحه كما يطبقه بحرفه، فيبقى العدل غايته، لا مجرد الالتزام بالنص.
وهكذا في كل مجالات الحياة؛ فقد يعرف الإنسان الحقيقة، ولا يحسن قولها، وقد يمتلك القدرة، ولا يعرف متى يستخدمها؛ وقد يكون محقًا، لكنه يختار الوقت الخطأ، أو الأسلوب الخطأ، أو الغاية الخطأ.
فالحكمة ليست معرفةً أكثر، ولا ذكاءً أكبر، بل هي القدرة على أن تمنح المعرفة والذكاء اتجاهًا أخلاقيًا وإنسانيًا.
فالذكاء قد يساعد الإنسان على الوصول إلى هدفه، أما الحكمة، فتسأله أولًا: هل يستحق هذا الهدف أن تصل إليه؟
الفطنة تترجم الحكمة إلى حياة
الحكمة لا تظهر أولًا في القرارات الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة التي تتكرر كل يوم؛ وعندما تتحول من فكرة يؤمن بها الإنسان إلى طريقة يرى بها الحياة، ويختار بها كلماته، ويتعامل بها مع نفسه والآخرين، تصبح فطنة.
وليست الفطنة مجرد سرعة في الفهم، ولا ذكاءً يلتقط ما يغيب عن الآخرين، بل هي الانتباه المسؤول الذي ينبع من داخل الإنسان؛ إنها يقظة دائمة، تجعل الإنسان يفهم قبل أن يحكم، وينتبه قبل أن يقرر.
ولهذا، لا تبدأ الفطنة من القضايا الكبرى، بل من التفاصيل التي يمر بها معظم الناس من غير أن يلتفتوا إليها؛ فقد تبدأ بنبرة صوت تغيّر معنى كلمة، أو بنظرة عين تخفي ألمًا، أو بعادة صغيرة تتكرر حتى تصنع شخصية، أو بتنازل يبدو هيّنًا، ثم يتحول مع الأيام إلى أسلوب حياة.
إنها تدرك أن أعظم التحولات لا تبدأ بالأحداث الكبيرة، بل بالإشارات الصغيرة؛ فهي ترى البذرة قبل أن تصبح شجرة، والشرارة قبل أن تتحول إلى حريق، والانحراف الصغير قبل أن يصبح فسادًا، والخطوة الأولى قبل أن ترسم طريقًا كاملًا.
قد يمر معظم الناس أمام تفصيل صغير فلا يلتفتون إليه، بينما تتوقف عنده الفطنة؛ لأنها تدرك أن كثيرًا من النهايات الكبيرة تبدأ بإشارة صغيرة لم ينتبه إليها أحد. فقد يلتقط الإنسان ورقةً عن الأرض، لا لأن أحدًا يراقبه، بل لأنه يرفض أن يعتاد المرور أمام الخطأ دون أن يفعل شيئًا. وقد يطفئ ضوءًا لا يحتاجه، أو يغلق حنفيةً تُركت مفتوحة، أو يؤجل كلمةً غاضبة حتى تهدأ نفسه. ليست قيمة هذه الأفعال في صغرها، بل في أنها تكشف عن إنسانٍ تعلّم أن يعيش القيم في التفاصيل الصغيرة، لا أن يكتفي بالإعجاب بها أو الحديث عنها.
الفطنة لا تبدأ بالآخرين، إنها تبدأ بالإنسان نفسه؛ فالإنسان الفطن ينتبه إلى تغير نياته قبل أن تتحول إلى أفعال، ويكتشف بذور الكبرياء قبل أن تستقر في قلبه، ويرى التنازلات الصغيرة قبل أن تتحول إلى عادات؛ لأنه يدرك أن الإنسان لا يبتعد عن مبادئه بقفزة واحدة، بل بخطوات صغيرة لا ينتبه إليها.
فالفطنة ليست فضولًا، ولا مراقبةً للآخرين، ولا مهارةً في كشف عيوبهم، بل يقظة أخلاقية تبدأ بالذات، ثم تمتد إلى العالم.
فقد يعرف الإنسان أن الصدق فضيلة، لكن الفطنة تجعله ينتبه إلى أن الكلمة الصادقة قد تُقال في الوقت الخطأ أو بالطريقة الخطأ، فتجرح بدل أن تشفي.
وقد يؤمن بأن الكرامة حق لكل إنسان، لكن الفطنة تكتشف التنازل الصغير الذي قد يبدو هيّنًا اليوم، ثم يتحول غدًا إلى عادة تمس تلك الكرامة.
فالذكاء يساعد الإنسان على الفهم، والمعرفة توسّع ما يعرفه، أما الفطنة، فتبقيه يقظًا في كل خطوة.
ثم تأتي الحكمة، فتمنح كل ذلك غايته واتجاهه، وتضع المعرفة، والذكاء، والفطنة في خدمة الإنسان، لا في خدمة الغرور أو المصلحة أو الشهوة.
وهكذا، لا تعود الحكمة فكرةً تُعجبنا، بل أسلوب حياة. ولا تعود الفطنة موهبةً نادرة، بل ممارسةً يومية تحفظ الإنسان من أن يبتعد عن الاتجاه، حتى وهو يظن أنه ما زال يسير فيه. فالحكمة ترسم الاتجاه... والفطنة تحرس كل خطوة فيه.
الطريق إلى الحكمة
إذا لم تكن الحكمة هبةً تُولد مع الإنسان كاملة، ولا شهادةً يحصل عليها، ولا نتيجةً تلقائية لتقدم العمر، فكيف تُبنى؟ لعل أول ما ينبغي التخلص منه هو الاعتقاد بأن الزمن، وحده، يصنع الحكمة، فالسنوات قد تمنح الإنسان خبرة، لكنها لا تضمن أن يتعلم منها؛ فكم من إنسان تقدم به العمر، وظل يكرر الأخطاء نفسها، لأنها تحولت مع الزمن إلى عادات، لا إلى دروس؛ الزمن لا يصنع الحكمة، إنه يمنح الإنسان فرصًا ليصنعها، كما أن المعرفة، على عظمتها، لا تكفي، فالعالِم قد يحفظ آلاف الكتب، ويظل عاجزًا عن قراءة نفسه، وقد يعرف كل شيء عن الناس، ويجهل أكثر ما يحتاج إلى معرفته: حدوده، وضعفه، ونقاط عماه ونطاق رؤيته؛ ولهذا، لا تبدأ الحكمة عندما يمتلئ العقل بالمعلومات، بل عندما يتعلم الإنسان أن يراجع نفسه كما يراجع أفكاره.
لقد أدرك سقراط (Socrates) هذه الحقيقة قبل نحو ألفين وأربعمائة عام، حين ارتبط اسمه بالعبارة التي أصبحت من أشهر العبارات الفلسفية: "كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئًا". ولم يكن يقصد أنه يجهل كل شيء، بل كان يقصد أن أول الطريق إلى الحكمة هو التحرر من وهم الاكتمال، فالإنسان الذي يظن أنه وصل إلى الحقيقة كلها، يتوقف عن البحث، أما الذي يدرك أن معرفته محدودة، فإنه يبقى مستعدًا للتعلم، ولتصحيح نفسه، وللاعتراف بخطئه، وهذا الاعتراف ليس ضعفًا، بل هو أحد أعظم مظاهر القوة الفكرية.
ثم جاء أرسطو (Aristotle)، فاقترب من الحكمة من زاوية مختلفة، فلم يرها مجرد معرفة نظرية، بل قدرة عملية على اختيار الفعل الصحيح، في الوقت الصحيح، وللغاية الصحيحة؛ فالإنسان قد يعرف الخير، لكنه يحتاج إلى الحكمة ليعرف كيف يحققه؛ وقد يعرف الحق، لكنه يحتاج إلى الحكمة ليعرف متى يقوله، وكيف يقوله، ولمن يقوله؛ ولهذا، لم يكن أرسطو يفصل الحكمة عن الفضيلة، لأن المعرفة التي لا تغيّر طريقة العيش، تبقى معرفة ناقصة.
أما كونفوشيوس (Confucius)، فقد رأى أن الحكمة تبدأ من التواضع أمام التعلم، وكان يقول إن الإنسان يتعلم بثلاث طرق:
بالتأمل، وهو أشرفها؛ وبالتقليد، وهو أسهلها؛ وبالتجربة، وهي أقساها. ولعل أعظم ما في هذه الفكرة أنها تذكر الإنسان بأنه لا يحتاج دائمًا إلى أن يدفع ثمن كل درس بنفسه، فبعض الحكماء اختصروا علينا سنوات من الألم، إذا أحسنّا الإصغاء إليهم.
وفي العصر الحديث، قدّم فيكتور فرانكل (Viktor Frankl) بعدًا آخر للحكمة، فبعد أن عاش أهوال معسكرات الاعتقال النازية، لم يخرج منها أكثر كراهية، بل أكثر فهمًا للإنسان، واكتشف أن الإنسان لا يملك دائمًا حرية اختيار الظروف، لكنه يملك، في كثير من الأحيان، حرية اختيار موقفه منها. وهنا تلتقي الحكمة مع الحرية، فالإنسان الحكيم لا يقاس بما يحدث له فقط، بل بالطريقة التي يجيب بها على ما يحدث له.
ومن خلال هذه الرحلة، يبدو أن الحكماء لم يختلفوا في التفاصيل بقدر ما اتفقوا على أمر واحد: أن الحكمة لا تُولد من كثرة الأجوبة...بل من جودة الأسئلة.
فالإنسان الذي يتوقف عن السؤال، يتوقف عن النمو، والذي يظن أنه امتلك الحقيقة، يغلق الباب أمام كل حقيقة جديدة، أما الذي يبقى مستعدًا لأن يتعلم، وأن يراجع، وأن يصحح، فإنه لا يزداد معرفة فحسب...بل يقترب، خطوة بعد خطوة، من الحكمة.
ولعل أجمل ما في الحكمة أنها لا تطلب من الإنسان أن يعرف كل شيء، إنها تطلب منه شيئًا أصعب، أن يعرف حدود ما يعرف.
وأن يمتلك الشجاعة ليقول: لا أعلم...حين يكون عدم المعرفة أصدق من الادعاء.
فالكلمة التي يخجل منها الغرور، هي الكلمة التي تبدأ بها الحكمة.
الحكمة هي التي تمنع الحقيقة من أن تتحول إلى قسوة، وهي التي تمنع الحرية من أن تتحول إلى فوضى، وهي التي تمنع الأخلاق من أن تتحول إلى برمجة، وهي التي تمنح الانضباط اتجاهه الصحيح.
ومن أجمل العبارات التي قالها يسوع، وأكثرها إثارة للتأمل، قوله لتلاميذه: "كونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام"(متى 10: 16)، ولطالما أسيء فهم هذه العبارة، حتى ظن بعضهم أن يسوع يدعو إلى المكر؛ لكن الحية، في الثقافة القديمة، لم تكن رمزًا للخداع فقط، بل كانت أيضًا رمزًا لليقظة، والانتباه، والفطنة والقدرة على تجنب الخطر، في حين ان الحمامة، كانت رمزًا للنقاء، والوداعة، وصفاء القلب.
ولم يطلب يسوع من الإنسان أن يختار أحدهما، بل جمع بينهما، وكأنه يقول: لا تسمح لنقاء قلبك أن يتحول إلى سذاجة، ولا تجعل ذكاءك سببًا لفقدان نقاء قلبك؛ اجعل حكمتك تحمي براءتك، واجعل براءتك تهذب حكمتك، فالحكمة التي تفقد إنسانيتها تتحول إلى دهاء، والبساطة التي تفقد حكمتها تتحول إلى سذاجة؛ أما الإنسانية فتبدأ حين يلتقي العقل الناضج بالقلب النقي.
الحكمة... ميزان الإنسان
ليست الحكمة أن يعرف الإنسان كيف ينتصر في كل جدال، بل أن يعرف متى يكون الصمت أكثر صدقًا من الكلام؛ وليست أن يجد جوابًا لكل سؤال، بل أن يعرف متى يكون السؤال أهم من الجواب؛ وليست أن يرى أخطاء الآخرين فقط، بل أن يرى حدوده قبل حدودهم، وليست أن يعرف كيف يصل، بل أن يعرف إلى أين ينبغي أن يصل.
فالحكمة لا تزيد الإنسان علمًا فقط...بل تزيده إنسانية.
ملامح الحكمة
لم يكن الحكماء الحقيقيون أكثر الناس ضجيجًا، بل أكثرهم إصغاءً؛ ولم يكونوا أسرع الناس إلى إصدار الأحكام، بل أكثرهم استعدادًا لتأجيل الحكم حتى يكتمل المشهد؛ لأن الحكمة لا تخاف من التريث، إنها تخاف من الظلم؛ ولا تخاف من الاعتراف بالخطأ، إنها تخاف من الإصرار عليه؛ ولا تخاف من أن تقول: "لا أعلم"، لأن الحكمة تعرف أن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص من الكرامة، بل يكشف عن كرامةٍ واثقة لا تحتاج إلى ادعاء الكمال.
رحلة لا تنتهي
ولعل الإنسان، في نهاية المطاف، لا يحتاج إلى مزيد من العيون، بل إلى نظرة أعمق؛ ولا إلى مزيد من المعلومات فقط، بل إلى حسن استعمالها؛ ولا إلى قدرة أكبر على الوصول، بل إلى بصيرة أخلاقية تمنعه من أن يصل إلى المكان الخطأ.
فقد يمتلك الإنسان الذكاء، والمعرفة، والقدرة، ثم يخسر نفسه.
وقد لا يكون الأذكى بين الناس، لكنه يمتلك من الحكمة ما يجعله يعرف متى يتقدم، ومتى يتراجع، ومتى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يتمسك، ومتى يترك.
وهذا هو الفرق كله، فالحكمة لا تغيّر المشهد...إنها تغيّر الإنسان الذي ينظر إليه، وعندما يتغير الإنسان...يتغير كل ما يراه، ولهذا، فإن رحلة الإنسان نحو الحكمة ليست رحلة بحث عن أجوبة أكثر...بل رحلة تعلّمٍ مستمرة، حتى لا يتوقف عند أول مشهد، ولا يكتفي بأول نظرة، ولا يحكم قبل أن يمنح الحقيقة، والإنسان، والحياة، حقها الكامل.
وربما، لهذا السبب تحديدًا، كانت الحكمة، عبر التاريخ، أقل انتشارًا من الذكاء، وأشد حاجة إليه؛ فالذكاء يختلف باختلاف الإنسان، أما الحكمة فتظل وفية للقيم التي تحفظ إنسانية الإنسان.... ولهذا، يستطيع الانسان ان يعيش بالذكاء، لكنه لا يستطيع أن يبني إنسانيته إلا بالحكمة؛ وعندها فقط، لا يعود الإنسان أسير المشهد، بل يصبح قادرًا على أن يرى...ما وراء المشهد.