روي أبو زيد

هدى النعماني تلتحق بأفكارها معتنقة أبديّة صوفيّة

دقيقتان للقراءة

لم تنظم هدى النعماني الشعر يوماً، بل نحتت بإزميل الحب قصائدها لبناء سلّم نغمات صخري يصل الأرض بالسماء. هي الشاعرة الصوفية التي اتّبعت نصيحة سقراط: "إعرف نفسك أيها الإنسان" فسبرت غورَ أعماقها لاكتشاف الكنوز المدفونة بداخلها وحينها... أبدعت!

استبطنت النعماني، لكنها لم تصطدم يوماً بحواجز لأنها قررت السير عمقاً حتى القعر. تزوّدت بفصاحة الكلمة، لكنها لم تتلعثم يوماً لأنها أمسكت الأحرف حرفاً حرفاً وأوصلتها الى بحور الكلمة الحرة التي لا تموت يوماً.

كانت النعماني حاضرة في جسدها بيننا، لكنّ أفكارها سبقتها نحو السماء، منذ اللحظة التي لفظت فيها صرختها الأولى، منذ تسعين عاماً.

أطفأت أمس الأول الأديبة والشاعرة والرسامة السورية نفسها الأخير عن عمر يناهز التسعين عاماً.

هي من مواليد دمشق، تابعت دراستها الابتدائية والثانوية في مدرسة الفرنسيسكان واللاييك. درست الحقوق في جامعة دمشق، ومارست المحاماة لسنوات عدة. انتقلت الى القاهرة مع زوجها عبد القادر النعماني "عميد الجامعة الأميركية" سابقاً.

أصدرت النعماني أولى مسرحياتها عن المؤسسة العربية في لندن، وعملت على ترجمة كتابها "أذكر كنت نقطة دائرة" الى اللغة الانكليزية ليصدر عن دار "ثري كونتت برس" في واشنطن، وأقامت معارض للرسم في أميركا وانكلترا. ألقت شعرها في مؤتمر للشعر العربي في جامعة جورج تاون في الولايات المتحدة الاميركية، هارفرد، تكساس، وديوك، وترجمت أعمالها الى اللغتين الانكليزية والفرنسية. لها العديد من المؤلفات النثرية والشعرية والصوفية، منها "أصابعي... لا"، "هدى أنا الحق" و"كتاب الوجد والتواجد". قال فيها الشاعر نزار قباني: "بكلمتين فقط بكلمتي النقطة والدائرة تحكي وتختصر هدى الأنوثة برمتها".

في ديوانها "قصيدة حب" ينتقل القارئ الى عالم الصوفية من خلال أحاسيس الشاعرة التي تناجي فيها الإنسان وتحثّه على التواصل مع الخالق الذي جبله وكوّنه:


"أنت هو لأنه خلقك صنعك،

أعطاك، البحر فيك

أنت هو لأنه يراك يعرفك، يضيئك،

يكلّمك

يحملك، يرميك

لأنه يدوسك، يفتتك ينثرك

يجمع فيك

أنت هو لأنك موجود

والعالم في يده فراشة

والفراشة أعظم منك.. أجمل منك

لأنها أصغر منك وأكبر منك".