محمد البابا

رسم جديد للشرق الأوسط: إسقاط نظام ولاية الفقيه كقرار استراتيجي

5 دقائق للقراءة

تتسارع تطورات الحرب بين إسرائيل وإيران بشكل غير مسبوق، لتكشف عن ملامح مرحلة جديدة في الشرق الأوسط عنوانها العريض: إسقاط نظام ولاية الفقيه في طهران. مصادر دبلوماسية غربية مطلعة تؤكد أن القرار قد اتُخذ بالفعل في دوائر صنع القرار الكبرى، وأن ما يجري اليوم هو تنفيذ تدريجي لخطة تهدف إلى إنهاء النظام الإيراني الحالي، باعتباره مصدر التوتر الأكبر في المنطقة.



وبحسب المعلومات المتوفرة، فإن طهران، التي وجدت نفسها في قلب العاصفة بعد الضربة الإسرائيلية المفاجئة على منشآت عسكرية حساسة، عرضت في الساعات الأخيرة التخلّي الكامل عن أذرعها في المنطقة، بما في ذلك دعمها المعلن لحزب الله والحوثيين والحشد الشعبي، والدخول في مفاوضات مباشرة وجدية مع الغرب حول برنامجها النووي. لكنها في المقابل، تطلب ضمانات بعدم استهدافها عسكرياً، ورفع جزئي للعقوبات المفروضة عليها.



غير أن هذا العرض الإيراني، ورغم أهميته الدبلوماسية، قوبل برفض إسرائيلي قاطع. إسرائيل، التي ترى أن أي تهدئة اليوم قد تعني تأجيل المواجهة لوقت أكثر خطورة، حسمت موقفها باعتبار أن الفرصة التاريخية المتاحة الآن لإسقاط النظام لا يجوز تفويتها. وفق المصادر نفسها، فإن تل أبيب تنظر إلى الحرب الحالية كمرحلة انتقالية ضرورية لترسيم توازن جديد في الإقليم، ينتهي بإخراج إيران من معادلة التأثير الإقليمي نهائياً.



الجانب العسكري من هذا النزاع تحوّل إلى مختبر حي لأنظمة السلاح الحديثة، وامتحان قاسٍ لقدرات الطرفين. إسرائيل اعتمدت منذ اللحظة الأولى على عنصر المفاجأة والدقة، ونفذت ضربات جوية نوعية ضد مراكز القيادة الإيرانية في كرمان، أصفهان، وطهران. استُخدمت طائرات شبحية مزوّدة بصواريخ جو-أرض من طراز “Rampage” و“Delilah” القادرة على التحليق المنخفض وتجنّب الرادارات، وتم تنفيذ عدد من العمليات عبر مسيّرات انتحارية تسلّلت من داخل الأراضي الإيرانية، ما يشير إلى اختراق استخباراتي عميق ساعد في تعقّب الأهداف بدقة.



في المقابل، ردّت إيران بما وصفه مراقبون بأنه الهجوم الباليستي الأضخم في تاريخ المنطقة، باستخدام صواريخ “خرمشهر”، و“قيام-2”، و"ذو الفقار"، وهي صواريخ تفوق سرعتها 5 ماخ ومزوّدة برؤوس تفجيرية بوزن يصل إلى 650 كلغ. هذه الصواريخ استهدفت مناطق عسكرية وحيوية داخل إسرائيل، بعضها تخطّى منظومات الدفاع الجوي ووصل إلى أطراف تل أبيب وأسدود، ما أسفر عن دمار واسع النطاق وخسائر لم تشهدها إسرائيل منذ عقود، وتحديداً منذ حرب 1973.



الدفاعات الجوية الإسرائيلية، رغم تقدمها، واجهت تحديات غير مسبوقة. منظومات "القبة الحديدية" و"مقلاع داوود" لم تنجح في اعتراض كافة الصواريخ والمسيّرات، خاصة تلك التي جاءت في موجات كثيفة ومتزامنة. بحسب تقييمات ميدانية أولية، فإن ما لا يقل عن 17 صاروخاً إيرانياً أصاب أهدافاً استراتيجية، بعضها في قواعد جوية ومواقع اتصالات عسكرية. الدرس القاسي لإسرائيل تمثّل في هشاشة التفوّق الدفاعي أمام هجوم مشبع بالسرعة والتعدد التكنولوجي.



لكن المفاجأة الكبرى التي غيّرت معادلات الحرب كانت دخول الطائرات المسيّرة كمكوّن أساسي في الهجمات الدفاعية والهجومية معاً. إيران استخدمت أسراباً من مسيّرات "شاهد-136" و"مهاجر-6"، بعضها انطلق من الأراضي السورية والعراقية، ونفذت هجمات دقيقة على منشآت نفطية ومواقع رادارية. إسرائيل بدورها وظّفت مسيّرات "هاروب" و"هيرمس-900" في مهام تفجيرية واستطلاعية، ونفذت عمليات اغتيال ميدانية داخل العمق الإيراني.



هذه الحرب، بقدر ما تمثل تصعيداً خطيراً في الصراع الإقليمي، باتت مرجعاً استراتيجياً للعواصم الغربية التي تتابعها عن كثب. دوائر الاستخبارات في أوروبا والولايات المتحدة توصّلت إلى قناعة بأن الصراعات القادمة لن تُحسم بالقوات البرية أو التفوّق الجوي فقط، بل بقدرة الدولة على إدارة فضاء المسيّرات، والتحكم في الترددات، والتعامل مع هجمات مشبعة آتية من اتجاهات متعددة.



شركات تسليح غربية، أبرزها في ألمانيا وبريطانيا، بدأت بإجراء مراجعات شاملة لمنظومات الدفاع الجوي لديها. وتم تكليف مراكز أبحاث عسكرية بتطوير أنظمة قادرة على كشف واعتراض مسيّرات صغيرة الحجم تعمل بترددات مدنية أو تُوجّه ذاتياً عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما يجري تطوير منظومات هجومية مسيّرة مضادة للمسيّرات، في ما يشبه سباق تسلّح جديد عنوانه السيطرة على السماء المنخفضة.



الولايات المتحدة، من جانبها، لم تحسم بعد قرار الدخول العسكري المباشر في الحرب، لكنها اتخذت إجراءات ميدانية عاجلة شملت تعزيز قواعدها في المنطقة بأنظمة باتريوت وثاد، وتفعيل غرف العمليات المشتركة مع الجيش الإسرائيلي، وتوجيه إنذارات أمنية لمواطنيها في عدة دول مجاورة لإيران.



أما القوى الأوروبية، فبينما تحاول الوساطة واحتواء الانفجار، تدرك أن مسار الحرب الحالية يتجاوز مجرد جولة عسكرية، بل هو فصل تأسيسي لترتيب جديد في الإقليم. تل أبيب لم تعد تقبل بإيران نووية، وطهران من جهتها تعتبر المعركة مسألة وجودية، ما يجعل خيار التراجع السياسي شبه معدوم، ويضع المنطقة أمام اختبار قد يعيد رسم خرائطها لعقود.



في هذا السياق، لا تبدو الحرب مجرد صراع على النفوذ أو الردع، بل مشروع متكامل لإعادة صياغة المنطقة. ما كان يُعدّ يوماً من ثوابت الجغرافيا السياسية بات اليوم على طاولة إعادة التشكيل بالقوة، وإذا ما استمرت المعركة بهذا الزخم، فإن الشرق الأوسط كما عرفناه قد يصبح من الماضي، ويولد شرق أوسط جديد تُرسم حدوده بالنار، والتكنولوجيا، والتحالفات التي لا ترحم.