وسط كلّ ما يجري في المنطقة حالياً، وما سبقه في غزة ولبنان سوريا، من سقوط متلاحق لكلّ معادلات وجبهات محور الممانعة، ومع الجرف الاقليمي الدولي لكلّ ما هو أنصاف أمور، من أنصاف دول، وأنصاف قرارات، وأنصاف رؤى، يبدو أنّ لبنان، وعوض أن يتماهى مع هذه التطوّرات، ما زال يتلذّذ في "لحس سياسة البدائل"، والتي لا تنتج سوى تمديداً لواقعٍ أكل عليه الدهر وشرب.
بعد انتهاء الحرب، خرج مَن يُسوّق لمعادلة "الشيعة في لبنان مجروحون، فلننتبه لطروحاتنا"، في حين أنّ كلّ ما كان وما زال يُطرح هو استعادة الدولة لكامل القرار العسكري، انقاذاً للشيعة ولكلّ اللبنانيّين.
ومع مرور أيّام "التنبّه" والتأجيل والمماطلة، بات مَن يقبض على القرار السياسي للشيعة في لبنان، هو مَن يفرض المعادلات، فتحوّل "المجروح" إلى جارحٍ لكلّ فرص الانقاذ، مقابل اعتماد السلطة الجديدة - التي لم تُثبت جديدها إلا بالخطابات - بأغلب قادتها، "سياسة النعامة"، فعوض المُضي قُدماً بخطوات إجرائية تنفيذية عملاتيّة تطبيقاً للدستور اللبناني، لاتفاق الطائف، لاتفاق وقف اطلاق النار، للقرارات الدولية، لخطاب القسم وللبيان الوزاري، بات النّهج الجديد هو الاسترضاء، وكأنّ هناك مَن يهاب أن "يَحْرَد" الجاني والخارج عن القانون والمتسبّب بالويلات، من تطبيق الدولة لقانونها.
سياسة الاسترضاء هذه، قامت على محاولة تكريس "عرف البدائل"، أي أنّه ومقابل كل سطوة وغنيمة سلطوية تفقدها ما كانت تُعرف بـ"قوى الأمر الواقع"، هناك بديل سلطوي حتميّ، لكنّ المفارقة أنّ البديل كان يُطرح ليس مقابل التخلّي الفعلي عن الغنيمة بل مقابل طرح الأمر خطابياً فقط.
بدأ الأمر مع الوقوف على رأي رئيس مجلس النواب نبيه بري في كل تعيين قبل البتّ به في مجلس الوزراء، لتكون هذه الخطوة كبديل عن إقرار آلية التعيينات، في التفاف صارخ على هدف الاطاحة بكلّ زبائنية وتحاصص واستئثار.
وجاء طرح استراتيجية الأمن الوطني كبديل عن مطالبة حزب الله بمناقشة استراتيجية الدفاع الوطني، وطرح الحوار بين حزب الله ورئيس الجمهورية حول المسألة السيادية كبديل عن اشتراط الثنائي الشيعي الجلوس على طاولة "حوار وطني حول سبل الدفاع عن لبنان"، لكنّ النتيجة جاءت معاكسة، مع وضع حزب الله سلسلة من الشروط قبل انخراطه الجاد في أي حوار حول سلاحه، مقابل خروج قياداته في إعلان الاستعداد لمساندة إيران في حربها، وكلام أمينه العام الأخير أبرز دليل.
تواصلت "سياسة البدائل" الانهزاميّة، لتصل مؤخراً مع ما شهدته جلسة الحكومة الأخيرة، مساء الجمعة الفائت، حيث تمّ رفض ما طرحه وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي من وجوب اصدار مجلس الوزراء بياناً واضح المعالم ترفض من خلاله الدولة اللبنانية ما قاله الشيخ نعيم قاسم لناحية التلويح في المشاركة في الحرب، وتأكيداً على امساكها بالقرار العسكري وثباتها على التزاماتها أمام المجتمع الدولي، وذلك عبر مجاهرة رئيس الحكومة نواف سلام بأنّ بيانه الشخصي هو البديل، وكأنّ الموقف الرسمي يُمكن اختزاله وتقويضه ارضاءً لِمَن يُكابر ويُعاند في مسألة تمسّ بالأمن القومي اللبناني.
والأمثلة عديدة في الهروب نحو تقديم بدائل الاسترضاء في التعيينات الأمنية بدايةً، من ثمّ تجميد التعيينات القضائية ثانياً، وتعيين المستشارين ثالثاً، وتجزئة اتفاق وقف اطلاق النار بين ضفتيّ الليطاني رابعاً، ومحاولة التلاعب بقانون الانتخابات النيابية خامساً.. واللائحة مرشّحة لأن تطول.
مشروع بناء الدولة غير قابل للاستبدال بطروحات خنفشارية تنازلية تراجعية، فتدوير الزوايا في المسألة السيادية خيانة فاقعة، والتراجع عن الحسم المباشر والفوري لمسألة احتكار الدولة للسلاح وحدها خطيئة مميتة، وتقديم الغنائم السلطوية كجائزة ترضية لِمَن خرّب كل سلطة ومؤسسة جريمة بحقّ كل الأجيال اللبنانية.
الهدف بناء دولة فعلية، لكن المسار الحالي يُعاكِس الهدف، فهل يستفيق كلّ مؤتَمَن على ذلك، أو بديل الاستفاقة سيكون استنباط تهمة "التخريب على العهد"؟