«عليك أن تعتبر نفسك محظوظًا إن استطعت المشي مجددًا»
بهذه الجملة الصادمة، استقبل الأطباء حالة النجم الإسباني سانتي كازورلا بعد تعرضه لإصابة خطيرة في وتر أكيليس في تشرين الأول 2016. إصابة بدأت بعملية بسيطة، لكنها تحولت إلى كابوس طبي مزمن، استدعى 11 عملية جراحية، وكاد أن ينتهي ببتر جزء من قدمه نتيجة التهابات خطيرة كادت تتفشى في جسمه. كازورلا غاب عن الملاعب لمدة 22 شهرًا. ما يقارب عامين من الغياب عن المستطيل الأخضر، عاش خلالها عزلة نفسية وجسدية، حيث أصبح المشي حلمًا، واللعب أمنية شبه مستحيلة. لكنها كانت أيضًا رحلة نادرة في عالم كرة القدم، حيث لم يستسلم، ولم يسمح للطب أن يرسم نهاية قصته.
الإصابات الرياضية، خاصة تلك التي تتعلّق بالأوتار والركب والمفاصل، ليست مجرد أحداث عابرة في مسيرة اللاعب، بل كثيرًا ما تكون مفترق طرق حاسمًا. بعض اللاعبين يُجبرون على الاعتزال مبكرًا، وآخرون يفقدون جزءًا من قدراتهم ولا يعودون أبدًا كما كانوا. وهناك من يستسلمون نفسيًا قبل أن يخسروا بدنيًا. ورغم ذلك، كازورلا عاد. ليس بنفس القدرات، بل بإرادة صلبة لم تُهزم. يقول: “أنا لا زلت أيمن القدم، لكنني فقدت الكثير من القوة في قدمي اليمنى، لذا أصبحت أستخدم اليسرى أكثر”. قصةٌ تجسد كيف يمكن للجسد أن يخون اللاعب، لكن العقل والإرادة يعيدان تشكيل المعركة.
اليوم، لم يعد سانتي كازورلا نجمًا في أضواء الليغا كما كان مع فياريال أو أرسنال. بل بات قائدًا بصمت، يلعب بأجرٍ رمزي مع نادي ريال أوفييدو. لكنه كتب فصلاً خالدًا في تاريخ النادي، حين ساهم في قيادته للعودة إلى دوري الدرجة الأولى الإسباني، بعد غياب دام 24 عامًا. لم يحتج إلى الملايين ولا إلى أضواء الإعلام، احتاج فقط إلى قلب لا يعرف الاستسلام. إن قصة كازورلا تُلخص مأساة وأمل آلاف اللاعبين حول العالم. في الرياضة، الجسد هو رأس المال. لكن حين يخون الجسد، يبقى العقل والإيمان والحب للعبة عوامل قد تصنع المعجزة. كازورلا لم يفز بكأس العالم، ولا يُصنف ضمن أعظم لاعبي جيله، لكنه فاز بأمر لا يُمنح للجميع: الاحترام، والتقدير، ومكانة خالدة في ذاكرة كل من يعرف أن في الرياضة، المجد لا يُقاس دائمًا بالأهداف، بل أحيانًا بالعودة بعد السقوط.