في مشهدٍ هزليٍّ جديد يليق بحكايات "طوم وجيري"، عادت إيران إلى هوايتها المفضّلة: إطلاق الصواريخ الخشبية على "الشيطان الأكبر"، بعد أن تُبلّغه مسبقاً ساعة الصفر ومكان السقوط، وتنسّق معه ومع "الحليف" القطري على سيناريو الضربة الوهمية.
فها هي طهران، النمر المصنوع من كرتون، تنفّذ ردًّا صاروخيًّا على قاعدة أميركية في قطر، لكن... بعد أن أبلغت الدوحة وواشنطن بموعد ومكان القصف! نعم، إيران التي تُهدد وتتوعد وتصدّع آذان جمهورها بشعارات "الموت لأميركا"، تتصرف في الواقع كموظف دبلوماسي في وزارة الخارجية الأميركية، لا كمحور مقاومة. أما نتيجة القصف فمذهلة: جميع الصواريخ تم تدميرها، باستثناء واحد "هبط" في منطقة آمنة، بطلب خاص من القيادة الإيرانية وبمباركة البيت الأبيض.
وهذه ليست المرّة الأولى. ففي العام 2020، وعلى أثر اغتيال قائد فيلق القدس المدعو قاسم سليماني، قُصفت قاعدة "عين الأسد" في العراق، والنتيجة نسخة طبق الأصل: لا إصابات، لا أضرار تُذكر، فقط بعض الأنقاض وبعض التصريحات الرنانة، والمفارقة أنّ القيادة المركزية الأميركية كانت على علم بكل شيء، قبل أن يبدأ العرض!
أي مهزلة هذه؟ وأي استخفاف بعقول جمهور الممانعة؟ إيران تتصرف كأنها شريكة في مسرحية هوليودية، لا كقوة إقليمية تزعم المواجهة. تصرخ في طهران وتهدد من بيروت وتنفخ في صنعاء... ثم تنسّق وتُبلغ وتُطمئن في الدوحة وواشنطن.
لقد آن الأوان أن يعترف الجميع: إيران لا تقاتل إلا بالشعارات، ولا تطلق صواريخها إلا لتسقط في الصحراء. والمواجهة عندها ليست أكثر من ديكور، ومشروعها ليس مقاومة، بل مساومة على حساب شعوب المنطقة.
وما زاد الطين بلّة، هو محاولة إيران جرّ لبنان إلى مستنقعها، وزجّه كدرعٍ بشريّ في صراعها مع إسرائيل. فطهران، التي تتقن فنّ التضحية بالآخرين، أوعزت إلى حليفها الأمين في بيروت، الشيخ نعيم قاسم، بضرورة "فتح الجبهة" الجنوبية، وإطلاق صواريخ من الأراضي اللبنانية باتجاه إسرائيل، وذلك فقط لتظهر أنّها ليست وحدها في المعركة، ولو على حساب وطنٍ يختنق بالأزمات وينهار تحت وطأة الانهيار الاقتصادي والسياسي والمالي.
أي وقاحة هذه؟ وأي استخفاف بمصير شعب؟ إيران، التي تُنسّق ضرباتها مع الأميركيين في قطر، تريد من لبنان أن يدفع ثمن مواجهاتها ودماء حساباتها. تريد أن تحرق الجنوب والضاحية والبقاع وبيروت، من أجل أن تخرج بصورة "الثأر" على شاشات محطاتها الممانعة. إنها لا ترى في لبنان دولة ذات سيادة، بل أرضًا مستباحة وساحة لتصفية الحسابات، وسكانه ليسوا مواطنين، بل أوراقًا محترقة على طاولة مقامرتها الإقليمية.
لكن لبنان ليس ولاية إيرانية، وشعبه ليس قطيعًا في خدمة المُرشد. وكل طلقة تطلق من الجنوب خدمةً لطهران، إنما تطلق على صدر كل لبناني يريد الحياة، وتفتح أبواب جهنم على بلدٍ لم يخرج بعد من ركام انفجاراته وانهياراته وأزماته... والسلام
رئيس دائرة الإعلام الداخلي وعضو المجلس المركزي في حزب "القوات اللبنانية"