الياس دمّر

فيلم العام الأكثر إنسانيّة

"The Life of Chuck" يجعلك تُعيد التّفكير في وجودك!

4 دقائق للقراءة

بعد عرضه الأوَّل في "مهرجان تورونتو السّينمائي الدّولي" العام الماضي، نال فيلم "The Life of Chuck" جائزة اختيار الجمهور (People's Choice Award) لأفضل فيلم، إضافةً لإِشادة العديد من النُقّاد. نجاح فاجأنا، كون المُخرج والكاتب الأميركي Mike Flanagan أقدم على تجربةٍ سينمائيّةٍ جديدة عليه وبعيدةً كلّ البُعد عن عالم الرعب الذي عرفناه فيه (Before I Wake, Ouija: Origin of Evil و Doctor Sleep).

الفيلم مقتبس عن قصّة قصيرة للرّوائي الشّهير Stephen King، ضمن مجموعته "If It Bleeds"، ويتناول بطريقة غير عاديّة إطلاقًا، حياة رجل عادي يُدعى Chuck. هنا، لا تُروى الحياة من المهد إلى اللحد، بل العكس، حيث نبدأ من النهاية ونعود تدريجيًا إلى البدايات، في سردٍ عكسي يمزُج بين الفلسفة والدراما والشّاعرية.



الحياة تتفكّك أمامنا

اختار مايك فلاناغان أن يبني فيلمه كالقصّة، بثلاثة فصول تُعرض بترتيبٍ عكسي، تبدأ مع موت تشاك وما يُرافقه من انهيار للعالم، مرورًا بمرحلة شبابه ووصولًا إلى طفولته. هذه البُنية تحثّ المُشاهد على إعادة النّظر في تفاصيل عاديّة قد تمرّ من دون تأمّل، وتجعل من كل مشهدٍ بسيطٍ حدثًا ذا معنى. فالبناء العكسي ليس مُجرّد حيلة شكليّة، بل هو أداة درامية تُعمّق الإحساس بزوال الأشياء وفناء الحياة.


يُقدّم المُمثّل Tom Hiddleston أداءً بالغ الرّهافة كرجل يواجه نهايته بقدر من القبول والدّهشة. فتشاك شخص هادئ، لكنّه يحمل في داخله عالمًا من المشاعر المختلطة، ويبرع هيدلستون في التّعبير عنها بإيماءاتٍ صغيرة ونظراتٍ صامتة. إلى جانبه، يُقدّم كُل من Chiwetel Ejiofor و Karen Gillan حضورًا صادقًا في الفصل الأول، وهما يحاولان فهم ما يجري للعالم أثناء انهياره الغامض. وينضم إليهم لاحقًا النّجم Mark Hamill، بدور الجدّ ليُجسّد الحكمة والدفء، ويُضيف عمقًا إلى المراحل المُبكّرة من حياة البطل. أمّا الفتى Benjamin Pajak الذي أدّى دور تشاك في طفولته وشبابه، فأضفى مصداقيّةً كبيرةً على مسار الشخصية، ونراه يعد بمستقبل سينمائي مُميّز.



الحياة في حضرة الفناء

من أقوى لحظات الفيلم، توقّف تشاك في وسط الشّارع ليرقص، بينما الكون ينهار من حوله! الرّقص هنا ليس مجرَّد فعل عفوي، بل رمز للتمسُّك بالحياة وسط العدم. أبدع المُخرج مايك فلاناغان في تصوير المشهد بتوازنٍ بين الجمال والكآبة، مُستخدمًا موسيقى تنبُض بالأمل المُتلاشِي. 6 دقائق تُعدّ قلب الفيلم وروحه، في رسالةٍ بضرورة التعلّق بلحظات الحياة البسيطة رغم أي مصير قريب.


كما يبتعد فلاناغان عن أسلوبه المُعتاد في التّلاعب بعناصر الرعب، ويركّز بدلًا من ذلك على بناءٍ جماليٍ بصريٍ هادئ، فيه الكثير من اللّقطات الطويلة والكوادر الثابتة. الصّورة مليئة بالرموز: من منازل مهجورة، سماء مُتشقّقة، وضوء خافت يُرافق رحلة تشاك نحو الطّفولة... تُضيف جميعها عمقًا شعوريًا حقيقيًا.



درسٌ في معنى الحياة

يتناول الفيلم موضوعات كبرى مثل زوال الذات، تأثير الفرد في محيطه، وحتميّة الموت. لكنه لا يقدّم إجابات، بل يدعو المُشاهد للتفكير: هل حياتنا مجرّد سلسلة من الأحداث الصغيرة التي تترك أثرًا غير مرئي؟ وماذا يعني أن يختفي عالم بأسره حين يغيب فرد؟


الفيلم فلسفي بطبعه، لكنه لا يقع في فخ التعقيد المجاني. يبتعد "The Life of Chuck" عن الدراما الصّاخبة المُستهلكة ويختار همسات من الحياة اليومية. يحمل دعوة للتمعّن في معنى الوجود ولتقدير اللّحظات العادية قبل أن تختفي. إنه فيلم قد يترك في القلب غصّة وفي العقل تساؤلات باقية، إِلّا أنّهُ يبقى بالتّأكيد استكشافًا مُدهشًا في معنى الحياة، لا ينبغي عليكم أن تفوّتوا مُشاهدته في صالات السّينما.