الياس دمّر

أفلام كشفت مأزق الإنسان المُعاصر وقرأت العالم كما هو... ماذا بقي من سينما 2025؟

3 دقائق للقراءة

خلال عام 2025، شاركناكم عبر صفحة "كاميرا" قراءات نقديّة وتحليليّة لأكثر من خمسين فيلمًا عُرضت بمُعظمها على الشاشات السينمائيّة اللبنانيّة، والبعض منها عبر المنصّات الرقميّة المُتاح اشتراكها لدينا. تنوّعت تلك الأعمال في أساليبها، أجناسها ورؤاها، لكنها اجتمعت عند نقطة واحدة: السّينما لم تعُد تكتفي بسرد الحكايات، بل باتت تبحث عن تفسير عالمٍ مُضطرب، متشظٍ ومفتوح على القلق. ومن بين هذا الزخم، اخترنا خمسة أفلام بدت أكثر قدرة على تكثيف روح المرحلة، لا بوصفها الأفضل كـ "كليشيه"، بل باعتبارها الأكثر دلالة على تحوّلات السّرد والوعي السّينمائي في 2025.

يأتي فيلم "One Battle After Another" لبول توماس أندرسون في مُقدّمة هذه الأعمال بوصفه فيلمًا سياسيًا بامتياز، لكنه يرفض الخطاب المباشر. لا تُقدَّم المعركة هنا كحدث تاريخي مُحدَّد، بل كحالة ذهنيّة مستمرّة، حيث يتكرّر الصّراع بصيغ مختلفة، وتفقد الثورة معناها مع كلّ محاولة لإعادة إنتاجها. يعتمد أندرسون على بناء سرديّ متوتر، وحوارات مُتقدة، تعكس عالمًا لم يعد يؤمن باليقين، بل يعيش في دوّامة الفعل واللاجدوى. السّياسة في الفيلم ليست شعارًا، بل عبئًا أخلاقيًا يُثقل الشخصيّات ويقودها إلى حافة العبث.

على خطّ موازٍ، ولكن بأسلوبٍ نقيض ظاهريًا، يأتي "Bugonia" كعملٍ سُريالي ساخر يوظف الفانتازيا والتهكّم لكشف هشاشة العقل الجماعي. الفيلم لا يسعى إلى تفسير الواقع، بل إلى تشويهه عمدًا، ليُظهر مدى هشاشته. عبر كوميديا سوداء حادّة، يضعنا الفيلم أمام خوف الإنسان المُعاصر من المجهول، وانجذابه السّريع نحو نظريّات المؤامرة بوصفها بديلًا مريحًا عن الفهم العقلاني. الضحك هنا ليس غاية، بل قناعًا يخفي قلقًا عميقًا.

أما "Weapons"، فينطلق من إطار سينما الرُّعب، لكنه يتجاوز قواعد النوع ليُقدّم قراءة اجتماعيّة للعنف. لا يعتمد الفيلم على الصّدمات السّريعة، بل على بناءٍ بطيء للتوتر، حيث يتحوّل الخوف إلى حالة نفسيّة جماعيّة. السّلاح في هذا السّياق ليس أداة قتل فقط، بل رمزًا لعدوى أخلاقيّة تنتشر بصمت، حين يصبح العنف لغة بديلة عن الحوار.

في المقابل، يُقدّم "The Life of Chuck" تجربة أكثر هدوءًا وتأمّلًا، تنشغل بالزمن والذاكرة ومعنى الوجود. عبر سردٍ غير خطّي ونبرة شاعريّة، يُحوّل الفيلم التفاصيل اليوميّة إلى مفاتيح لأسئلة كونيّة. إنه عمل يُذكّر بأن السّينما لا تحتاج دائمًا إلى صُراخ أو صدمة كي تكون عميقة، بل إلى صدقٍ في النظر إلى الإنسان العاديّ.

أخيرًا، يأتي "Sinners" كفيلم أخلاقي قاتم، يشتبك مع مفاهيم الذنب والاختيار من دون أحكام جاهزة. شخصيّاته تعيش في مناطق رماديّة، حيث تتداخل الرّغبة مع الخطيئة، والضعف مع المسؤوليّة. بأسلوب بصري كثيف وأداءات مشحونة، يتحوّل الفيلم إلى تجربة شعوريّة تضع المُتفرّج أمام أسئلته الخاصّة.

في المُحصّلة، تكشف هذه الأفلام الخمسة عن ملامح سينما 2025: سينما قلق، تساؤل، ورفض للتبسيط. إنها أعمال لا تبحث عن الطمأنينة، بل عن مواجهة صادقة مع عالمٍ فقدَ توازنه، ومع إنسانٍ يحاول، رُغم كلّ شيء، أن يجد معنى وسط الفوضى!