يبدأ فيلم "28Years Later" بمشهدٍ يبدو لطيفًا ومألوفًا، حين تُعرض حلقة من "Teletubbies" أمام مجموعة من الأطفال، لينقلب مباشرةً نحو عالم من الرُّعب والتوتّر. البرنامج يُعرض على شاشةٍ ما زالت تعمل رُغم نهاية العالم، كأنّما يُلمح المُخرج البريطاني Danny Boyle إلى سخف ما نتركه وراءنا حين تنهار حضارتنا: أجهزة تعرض تفاهات وسط الأنقاض.
هي إذًَا إشارة ساخرة إلى أنَّ بقايا ثقافتنا الماديّة لم تُبقِ سوى على قشور لا قيمة لها أمام الكارثة! وكما أنَّ عالم "Teletubbies" زائف وغير منطقي، كذلك العالم الجديد للبشريّة في الفيلم مليء بأوهام الأمان، لكنّه في جوهره خراب واستحالة العودة إلى عالم الطّفولة السّعيد وسط الدّمار.
السّلطوية ما بعد "البريكست"
يُعيدنا الفيلم إلى فكرة بريطانيا المعزولة بعد كارثة تفشّي "وباء الغضب" (Rage Virus)، والتي ترمز إلى دولة ما بعد انهيار النظام، حيث يغيب القانون، وتظهر جماعات مُسلّحة وبدع دينيّة تستغل الفراغ لتفرض سلطتها. والجماعة التي يقودها شخص يُدعى Jimmy، تُمثل استعارة للأنظمة التي تتستّر بالدِّين أو التّقاليد لتبرير الاستغلال والاعتداء، في نقدٍ واضحٍ للنّفاق المؤسسي الذي فشل في حماية الأضعف.
كما لا يُمكن تجاهل أنّ الفيلم صُوّر ونُسجت قصَّته في ظل مناخٍ سياسي بريطاني متأزم بعد "البريكست" (انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي). من هُنا ركّز الكاتب Alex Garland على فكرة الجُزر المعزولة والحدود المغلقة والمجتمع المتفكّك بلا مساعدة خارجية، والتي ترمز إلى بريطانيا بعد الانفصال، حيث تتصاعد القوميّة الانعزالية وتفشل في حماية نفسها أمام الأخطار الكبرى.
كاميرات "iPhone" والصورة
جاء اختيار المخرج داني بويل توظيف كاميرات "iPhone" في تصوير "28Years Later"، قرارًا جريئًا كعادته وله أبعاد فنيّة وحسيّة دقيقة. وأوضح المُخرج أنَّ كاميرات الهواتف، وبفضل عدساتها الصّغيرة وطبيعة الصّورة الرقمية المُباشرة، تُولّد شعورًا حميميًّا وقريبًا من أعين الشخصيات. ما يخلق إحساسًا عميقًا بالواقعية (Hyper-Realism). ورغم التطوّر الكبير لكاميرات الهواتف، إلا أنّ هناك لمسة من الخشونة الرقمية في بعض المشاهد (Digital Grain)، تزيد الشعور بالتوتّر في المشاهد القريبة.
اختيار "iPhone" له بُعد فلسفي أيضًا، إذ يُحاكي عصر التوثيق اللّحظي، حيث أصبحت الكوارث تُصوّر بالهواتف قبل الكاميرات الاحترافية. وبهذا يخلق الفيلم أسلوبًا متماهياً مع طريقة الجمهور المعاصر في رؤية المآسي (عبر الشّاشات الصغيرة)، ليُكوّن تعليقًا صارخًا حول علاقتنا مع الصّورة والحدث. لم يستخدم بويل الـ "iPhone" لمجرَّد الحداثة، بل لخدمة فكرته عن العالم المُفتَّت، حيث لا يبقى سوى أدوات النّجاة البسيطة (ومنها الكاميرا الصغيرة) لتوثيق انهيار الحضارة.
ولكُل من يهوى التّصوير بكاميرات الهواتف، تنبّهوا أنَّ هذا الأسلوب لم يكن مُجرَّد حيلة تقنيّة، بل خيار تقني مدروس يعكس انهيار البُنية التقليديّة للعالم (وكذلك السّينما الكلاسيكيّة)، ويخلق لغة بصريّة جديدة تشبه الكابوس الوثائقي، حيث يصبح المُشاهد شاهداً على نهاية العالم بعدسة يوميّة مألوفة!
ما الذي يحدث حين تنهار الدّولة الحديثة؟ وهل الشر الحقيقي في الفيروس أم فينا؟ اكتشفوا أكثر في صالة السّينما.