لا تزال المفاهيم المتعلّقة بالهوية والدولة تُسيل الكثير من الحبر في بلدٍ تعدّدي وديمقراطيّ مثل لبنان، يعاني من تعاقب أزمات سياسيّة تحمل سمات التنافس بين زعامات الجماعات المكوّنة. في هذا الإطار، صدر قبل أيام «في الهويَّة والدولة والعيش معًا (1): أوراق، نقاشات، وخلاصات» توصّل إليها «أكاديميَّات وأكاديميُّون من أجل لبنان» وهو فريق عمل تشكّل بنتيجة مسار بادرت إليه «الهيئة اللبنانيَّة للتاريخ» بالتعاون مع «السفارة السويسرية».
الكتاب الذي أعدّه الدكتور أمين الياس، الرئيس السابق للهيئة، هو ثمرة تفكّر جماعيّ، وحوار عميق، وحصيلة توافقات لأكثر من عشرين أكاديميَّةً وأكاديميًّا، متعدّدي المجالات المعرفيَّة، والخلفيَّات الثقافيَّة، ومنتمين إلى فئات عمريَّة مختلفة. مؤرّخون، فلاسفة، متخصّصون في علم السياسة وعلم الاجتماع، روائيّون، متخصّصون في مجال التعامل مع الماضي والتاريخ الشفهيّ، ومعلّمو تاريخ، من كلّ مناطق لبنان، اجتمعوا للتفكير في تجربة العيش معًا. هنا فصل من الكتاب الصادر عن «دار سائر المشرق».
انطلق النقاش في مرحلة الحروب في لبنان من ضرورة أنْ يتمّ فهْم واقع المجتمع اللبنانيّ وعلاقته بالسلطة، وهو المنهج الذي يُطلق عليه تسمية «جدليَّة المجتمع والسلطة». هذا المنهج يرى في المجتمع اللبنانيّ مجتمعًا مركّبًا. وما يميّز تركيبته، هو طابعه «النزاعيّ». وإذا ما انتقلنا من هذا المُعطى الأوّلي لتفحّص ظروف وأسباب ومعطيات الحرب الأهليَّة، فإنَّه يجب أنْ يتمّ ربطها بالمعطى المذكور. بكلامٍ آخر، إنَّ ظروف هذه الحرب إنّما تعود إلى العام 1920، أي إلى تاريخ نشأة «دولة لبنان الكبير». فتأسيس لبنان في 1920 هو تأسيس نزاعيّ.
إنَّ تأسيس أيّة دولة يكون إمّا نتيجة تعاقد بين الجماعات، أو نتيجة طبيعيَّة لمسار تاريخيّ لجماعة ما. أمّا الدولة اللبنانيَّة فقد تأسَّست في العام 1920 على نزاع أساسي وهو وجود الخلاف على شرعيَّة الكيان اللبنانيّ بين الجماعات اللبنانيَّة.
وبالتالي إنَّ شرعيَّة الكيان منقوصة منذ التأسيس. وقد ترتّبت على هذا الأمر النتيجة الآتية: انقسام المجتمع على ذاته، وبالتالي وجود انفصال بين جزء من المجتمع والكيان والدولة. ثمّ جاء ميثاق العام 1943، ليؤسّس عملانيًّا لمنطق الديمقراطيَّة التوافقيَّة. لكنّ ما فعله الميثاق أنّه نقل الصراع من صراع على شرعيَّة الكيان إلى الصراع على توزيع السلطة فيه. وبدءًا بهذه اللحظة، أصبح ميزان القوى هو الذي يتحكّم بالعلاقات بين الجماعات بدليل أزمات 1958، 1969 و1975.
وعليه نفهم، من خلال منهج التفكير هذا، كيف أنَّ اللبنانيّين قاموا بتأسيس مجتمع مركّب قائم على تسويات، فيما كلّ طائفة تنتظر الفرصة السانحة لتنقضّ على الطوائف الأخرى، في سياق الصراع على المناصب والمغانم. ثمّ كان اتّفاق الطائف الذي أبقى على المشكلة ذاتها. فكلّ تسوية بين الطوائف تنتهي عندما يحصل اختلال بالتوازن بين هذه الطوائف. أمَّا التدخّلات الخارجيَّة، فالخلافات الداخليَّة هي الضوء الأخضر لها.
ظهر أيضًا رأي آخر خلال هذه النقاشات ويقول إنَّ عُمق الأزمة إنَّما هو في الخلاف على الهويَّة وحول الانتماء والولاء. الأمر الذي يصعّب تحديد الصديق من العدو من الحليف. وبخلاف خُلاصة الطرح السابق، يعتقد أصحاب هذا الرأي أنَّ كلّ ما جرى من صراعات في لبنان إنّما تمّ بسبب التدخّل الخارجيّ المرتبط بالصراعات الداخليّة. بكلام آخر، إنَّ التدخّل الخارجيّ سابق للانقسام الداخليّ ومُعزّز له.
وقد يكون هذا التدخّل متجذّرًا بسبب ما قام به الانتداب الفرنسيّ، وما تركه معلَّقًا بين المكوّنات اللبنانيَّة. ففريق يخاف من الكثرة العدديَّة في محيط إسلاميّ يعيش فيه، وفريق آخر يشعر بالغبن. ضمن هذا الرأي، يضيف أحد الأعضاء أنَّ أحد مفاتيح فهم مرحلة الحروب يتمثّل في وضع هذه المرحلة في إطار الصراع على الهويّات. فعند تأسيس «لبنان الكبير»، تصارعت هويّتان: اللبنانيَّة والعربيَّة. حتى أنَّه يمكننا القول إنَّ البحث عن مسألة الهويَّة يأخذنا إلى مسألة اندماج المسلم في الدولة اللبنانيَّة.
فهناك بعض الجماعات في لبنان لا يندمج ببعض الفئات. وإنَّ المسيرة في اتّجاه هويَّة لبنانيَّة تجمع المسيحيّين والمسلمين لم تكن سهلة أو بديهيَّة. وحين تحقَّقت هذه الهويَّة أخيرًا بانضمام المسلمين لها، نافست الهوية الفارسيَّة لـ «حزب اللّه» الهويَّة اللبنانيَّة.
وإنْ كان الصراع على الهويَّة في لبنان أحد مفاتيح فهْم مرحلة الحروب، فإنَّ عدم نضج اللبنانيّين لتقبّل الديمقراطيَّة، وما يستتبعها من بناء للإدارة، وبالتالي بناء الدولة إنّما يشكّل مفتاحًا آخر لهذا الفهْم.
هناك رأي ثالث يعتبر أنَّ الانقسامات اللبنانيَّة، ومنذ القرن التاسع عشر، لم تكن عموديّة، بل أفقيَّة. وبالتالي، إنَّ الصراعات بين اللبنانيّين ليست طائفيَّة بمقدار ما هي حزبيَّة. يستعيد هذا الرأي أحداث 1840 و1860 ليُظهر كيف أنَّ الانقسامات في «جبل لبنان» كان فيها الطابع الطائفيّ هامشيًّا جدًّا. فالتلاعب ببنية الجبل الذي حصل أيّام بشير الشهابيّ، والذي ترافق مع التدخّلات الخارجيَّة ودخول لبنان سوق الرأسماليَّة العالميَّة، أدّى إلى تمايز طبقيّ خاصَّة داخل الجماعة المارونيَّة، الأمر الذي نتج عنه ظهور العاميَّات في الجبل. لكنّ المفارقة أنَّ هذا الانقسام الطبقيّ لم يصل إلى الجماعة الدرزيَّة. فكانت ردّة فعلها توجّس الإقطاع الدرزيّ من العاميَّات. وهذا ما أعطى الصراع في تلك المرحلة طابعًا اقتصاديًا - اجتماعيًا، وليس طائفيًا.
يبدو أنَّ القائلين بهذا الطرح، الذي يغلّب الجانب الاقتصاديّ- الاجتماعيّ، ليسوا أقليَّة، ذلك أنَّ أعضاء من المجموعة اعتبروا أنَّ مرحلة 1840-1860 هي مرحلة انتقاليَّة كان فيها النظام الإقطاعيّ يشهد نهاياته. ثم جاء القرن العشرون الذي هو أيضًا مرحلة انتقاليَّة مستمرَّة شهد فيها لبنان نهاية النظام الإقطاعيّ ونشوء النظام الرأسماليّ، ثم كانت مرحلة 1960-1975 التي شكَّلت اختراقًا للنظام الرأسماليّ وخروج جماعات تريد أنْ تشارك في السلطة... يُضاف إلى هذه العوامل أهميَّة فهْم الإطار الجيوسياسيّ وكيف تغيّر بين «متصرّفيَّة جبل لبنان» و «دولة لبنان الكبير».
هذا الطابع الجيوسياسيّ لفترة الحروب في لبنان له أيضًا مناصروه داخل أعضاء المجموعة، إذ اعتبر البعض أنَّ فهْم العناصر الداخليَّة لا يكتمل من دون وضعها ضمن الإطار الذي فرضته الظروف الإقليميَّة المتمثّلة بصعود الناصريَّة، ونحو الحركات المسلّحة في العالم العربيّ، واستيلاء الجيوش على السلطة، وارتداد هذا الأمر على لبنان.
يُضاف إلى هذا المساعي الأميركيَّة لتسوية النزاع العربيّ-الإسرائيليّ، والإعداد لعلاقات سلام منفصلة بين إسرائيل وكلّ من مصر وسوريا كما أنَّه لا بدّ من أنْ نستعيد اللحظة التي شعر فيها الاتّحاد السوفياتيّ أنّه وصل إلى ذروة قوّته أواخر الستينات وخلال السبعينات من القرن العشرين، ولا سيّما بعد انتصار حلفائه في العالم، ومحاولات الولايات المتّحدة لجم نموّ النفوذ السوفياتيّ في الشرق الأوسط من خلال السعي إلى الاستثمار في هزيمة العرب لعقد اتّفاقات منفصلة بين الدول العربيَّة وإسرائيل، وحلّ المشكلة الفلسطينيَّة في لبنان من خلال إشعال الحرب في الأخير وتوطين الفلسطينيّين.
[...] في العودة إلى جدليَّة الداخل والخارج، هناك بعض الآراء التي عبّرت عن قناعتها بأنَّ العامل الداخليّ لحرب لبنان هو الأساس. بالنسبة إلى هذا الرأي، لبنان هو بلد «أزماتيّ» بتكوينه. والأزمة ناتجة من الازدواجية المتأتّية من أنَّ لبنان «عقدة تأويليَّة». فكيف نفسّر العلاقة بين الوحدة والتعدّد وبين الدستور اللبنانيّ المبنيّ على الدستور الفرنسيّ العلمانيّ القائم على مبدأ الصهر.
بتعبير آخر، إنَّ التناقض بين البنية المجتمعيَّة اللبنانيَّة التعدديَّة والبنية الدستوريَّة الصهريَّة هو ما يؤدّي إلى قلق الجماعات في لبنان من تذويبها وصهرها. فلو بُني الدستور اللبنانيّ على فكرة الدولة التعدديَّة، أي فكرة الاندماج وليس فكرة الامتصاص، لكنّا ساعدنا الجماعات على تقبّل الدولة كعنصر بديل للحماية الغرائزيَّة التي تنتفع منها الجماعات. إذًا، إنّ الأزمات والحروب الدائمة في لبنان ناتجة من هذه الازدواجية بين «الميثاق» و «الدستور». فالجماعات اللبنانيَّة تشعر أنّها موجودة أكثر في «الميثاق» منها في «الدستور». ولأنّنا لا يمكن لنا أنْ نستغني لا عن «الدستور» ولا عن «الميثاق»، كانت فكرة «الصيغة». وهذه الأخيرة هي محاولة للتوفيق بين «الميثاق» و«الدستور» من خلال تسويات قصيرة وصغيرة دائمًا ما تنتهي بنزاعات.
في تعميق لهذا الرأي، اعتبر بعض الأعضاء أن المرجعيَّة الفرنسيَّة، أو بالأحرى «العقليَّة الفرنسيَّة» التي تعتبر أنَّ الشعب اللبنانيّ هو أمّة، وأنّه يجب ألّا يكون هناك أي وسطاء بين الدولة والمواطن، إنّما تفسّر هذه الازدواجيَّة - المشكلة. فالتعدّديَّة، وبخلاف التوجّه الفرنسيّ الصهريّ، هي أمر من طبيعة النسيج المجتمعيّ اللبنانيّ، وعلى اللبنانيّين أنْ يتقبّلوا فكرة أنَّ هذه «التعدّديَّة ليست مشكلة»، وأنَّ هذه «الطائفيَّة ليست هي المشكلة».
المشكل الأساس بالنسبة إلى أصحاب هذا الرأي، هو في النظام السياسيّ المرتكز على نظام الزعامات والزبائنيّة، وهو سلطة عصابة زعماء الحرب الذين سيطروا على لبنان من خلال الانقلاب الذي قاموا به خلال فترة الحروب 1975–1990.
