ريتا عازار

لا للاقتراب... لا للنق

أقفلتُ مجالي الجويّ حتى إشعار آخر

7 دقائق للقراءة

في تطوّر دراماتيكي، وأحيانًا هزلي وكرتوني، على ساحة العلاقات الاجتماعية التي تتخبّط بين "وينكِ؟" و "شو صايرلك؟"، قرّرتُ، أنا المواطنة العاطفية المستقلّة، التي لا تنتمي لا للأمم المتحدة ولا لغروب "أصدقاء من أيام المدرسة"، إقفال مجالي الجوي. ذلك بعد أن حاولت طائرة مشاعر قديمة وغير مصرَّح بها، الهبوط الاضطراري على مدرج "شو بكِ ساكتة؟"، وتسبّبت في اهتزازات عنيفة في "برج المراقبة العاطفي". وحتى اللحظة، لا يزال الإقفال ساري المفعول.

منذ أشهر، وأنا أواجه ما يشبه الهجوم العاطفي المتعدّد الاتجاه: رسائل تبدأ بـ "اشتقتلّك فجأة"، وتنتهي بـ "كنتِ الوحيدة يلّي بتفهميني". مكالمات طارئة من أشخاص فقدوا رقمي ثلاث سنوات، وتذكّروه فجأة لمّا انقطعت عنهم الكهرباء (أو الحنيّة). أصدقاء يظهرون عند إصابتهم بأزمة، ثم يتبخّرون بعد أن تنتهي جلستهم "الفضفضيّة" المجّانية.


صرت أُعامَل كأنني:

• سماعة أذن تعمل على مدار الساعة.

• وِسادة اعتراف عاطفية توزِّع دعمًا من دون مقابل.

• مطار استقبال مجاني لطائرات عتاب وغموض وهبوط مفاجئ.

لكنّ المفارقة، أنّ عندي أذنًا واحدة فقط، والثانية صارت تهرب كلما سمعت جملة: "بس دقيقة بدّي إحكي شغلي زغيري".

وهذه "الشغلي الزغيري" غالبًا ما تكون رواية طويلة عن طليق صديقة حبيبة ابن خال الجارة.


لحظة القرار

لم يكن القرار وليد لحظة عابرة، بل نتيجة جلسة مغلقة مع ذاتي، حضرها جميع الأجهزة الداخلية:

• القلب وقد احتسى قهوته، ومرّ بعينَيه على الجروح القديمة.

• الكرامة مرتديةً معطفًا جلديًّا، ولا تكفّ عن اللَّوم.

• المنطق جالس في الزاوية، يحكّ ذقنه بتأمُّل حذر.

• الصوت الداخلي يتمتم قائلًا: "ليس هذا وقتهم دعيهم يهدأون بعيدًا".


قال القلب: "ربما يكونون هذه المرة صادقين؟" صرخت الكرامة: "صادقون؟! تمامًا كما قالوا منذ خمسة أعوام أن تلك كانت الفرصة الأخيرة؟". أما المنطق، فرفع إصبعه قائلًا: "لا يجوز الهبوط قبل تعبئة نموذج النيّات، التوقيع الرسمي، وتسجيل تاريخ انتهاء الصلاحيّة!". وبعد سلسلة من التصويتات، ومداخلات نارية من قسم الذكريات، أُعلِن بالإجماع: "إقفال شامل للمجال الجوي، حتى إشعارٍ يصدر من (نحن)، لا من (هم)".


الرحلات الممنوعة

اعتبارًا من الآن، تُمنع الرحلات التالية من الإقلاع أو الهبوط، مهما كانت الظروف الجوية:

- طيران المصلحة العاطفية:

عبارات مثل: "فقط أردت أن أُفضفض قليلًا، فأنتِ تفهمينني". يُقابلها سؤال مشروع: "وأين كنتِ عندما كنتُ أنا بحاجة لمن يسمعني؟"... هذا النوع من الرحلات يُعاد مباشرة إلى "مطار النيّات المشوّشة".

- شركة الذكريات الفُجائية:

تلك التي تبدأ برسالة: "تذكّرتكِ فقط لأنني رأيتُ هذه الصورة!". طيّب… وأنا؟ "نسيتك عن سابق إصرار، لا عن طريق المصادفة".

- خطوط الخدمات المجانية:

"هل يمكنكِ إيصالِي؟"

"ما رأيكِ أن تساعديني في إعداد مشروعي؟"

"هل لديكِ شاحن "آيفون"؟"

يا عزيزتي، إن كانت صداقتكِ تعمل على "بطارية منفعة" فاعلمي أنني سحبت "فيش" الكهرباء كليًّا.


البيروقراطية العاطفية

إقفال مجالي الجوي ليس مجرّد حركة درامية، بل إنه إجراء إداري كامل. لدينا حاليًّا نموذج رسمي يُرمز إليه بـ "F-11"، تحت عنوان: لماذا تريدين التواصل؟ وهل تقصدينني فعلًا، أم أنا فقط أقرب اسم على قائمة المراسلات؟". وأي محاولة اختراق دون تعبئة هذا النموذج، تُعدّ تعدّيًا صريحًا على السيادة الداخلية، وتُقابل بردّ دبلوماسيّ مهذّب على النحو التالي: "أنا لست متاحة حاليًا… يُرجى المحاولة لاحقًا".


أصدقاء الطوارئ: كفى!

أعرفهم، وأحبّهم، ولكن دعوني أكون صريحة: لستُ غرفة طوارئ نفسيّة تعمل على مدار الساعة. هناك نوع من الأصدقاء لا يظهر إلّا وقت المطر، حين يغرق في مشاعره. يبحث عن أي طوق نجاة، فأكون أنا ذلك الطوق، ذلك المنقذ الموقّت. لكن ما إن تشرق الشمس، وتصفو سماؤهم، حتى يستقلّوا طائرة جديدة نحو وجهة أخرى، وينسوا أنني كنتُ، يومًا، مهبطهم الآمن. أحدهم يرسل: "هل أنتِ متفرغة؟ لديّ أمر ضروري أودّ الحديث عنه". ألتقط الهاتف، أُعدّ كوبًا من الشاي، أهيّئ نفسي نفسيًّا لسماع شيء عميق، فإذا به يُحدّثني، بكل جدّية، عن قطّته التي تعاني من توتّر، بسبب انعكاس حالته العاطفية على حياتها اليومية!


الاستثناءات المشروطة

كم لذيذ أن أكون ديكتاتورة، وأن أعاني من نرجسيّة موسميّة. كم هذا مريح! إنما عندما لا تكون الديكتاتورية أصلية تكون هناك استثناءات لكن بمواصفات محدّدة:

• رسالة تقول: "حاسّة إنكِ تعباني، ما رح أزعجكِ، بس إذا احتجتيني أنا هون".

• شخص يرسل نكتة سخيفة أو "ميمًا" مضحكًا، بدون مقدّمة، ولا تلميح.

• اتصال فيه "كيفكِ؟" حقيقية. "مش تمام؟ طيّب خليني إحكي أنا شوي".

الأصوات الصادقة، التي لا تطلب شيئًا، وتخشى أن تُؤذي حتى دون قصد… فأهلًا وسهلًا بها، فهؤلاء يملكون تصريح مرور ذهبيًّا.


ردود الفعل العامة

• أبدت منظمة القلوب المفتوحة دعمها الكامل، ووصفت الخطوة بـ "اللازمة للحفاظ على توازن النفس".

• أما "لجنة أصدقاء المصلحة" فاعتبرت القرار "مبالغًا فيه"، وقالوا إنني "ما كنتِ هيك من قبل!" (كنت أو لم أكن، في كل الأحوال أريد أن أصير).

• انقسم جمهور "إنستغرام" بين:

o "ملكة".

o "حاسّين فيكِ، عم نمرق بنفس الشي".

o "بس ما تكوني عم تقصديني؟" (طبعًا عم أقصدك، بس مش حابّة إحرجك).


سيناريوات مستقبلية

هل سيُفتح المجال الجوي؟ ممكن، لكن فقط عندما تهبّ رياح صدق من جهة الشفافية، وينخفض ضغط المشاعر المتقلّبة، ويستقرّ برج المراقبة الداخلي. وربما، إذا وصلتني رسالة واحدة صادقة، بدون تلميح، بدون رجاء، بدون عبء، يمكن حينها، أن أفتح نافذة صغيرة، وأقول: "مرحبًا، لكن بشروطي".


بعد إعلان إقفال "مجالي الجويّ"، بدأت تظهر على الساحة نماذج بديلة تحاول التسلّل من ثقوب الذاكرة. أبرزها "شركات الطيران العاطفي الجديدة"، والتي تحاول إقناعي بأنها مختلفة، مبتكرة، و "من القلب للقلب مباشرة".

أشهرها:

- "مشاعر إكسبرس" شركة تقدّم خدمة رسائل صوتية تبدأ بـ "أنا عارف إني غلطت، بس..."، وتنتهي دائمًا بـ "ليش تغيّرتي؟ من زمان كنتِ تسامحي". والمشكلة؟ كلّ رحلاتها بلا وجهة، الموظّفون فيها متخصّصون في إلقاء اللوم وتوزيع مشاعر الندم في علب أنيقة، ولكن دون اتخاذ أيّ خطوات فعليّة لإصلاح المَدرج المنهار.


- في شركة أخرى تُدعى "فلاش باك للطيران"، يعملون على نوع خاص من الوقود العاطفي، من فئة "أما زلتِ تذكرين حين قلتِ لي أحبكِ في العام 2010؟". يرسلون صورًا قديمة، مقاطع فيديو قصيرة، أو حتى أغنية كانت تحمل آنذاك "شعورًا خاصًا". والغاية؟ هبوط اضطراري على "مدرج الحنين"، من دون إذن ولا وجهة واضحة، فقط لإثارة الفوضى الجويّة داخل المساحة العاطفية.


وفي محاولة أخيرة للتسلّل، ظهرت شركة جديدة تحمل اسم "كأنكِ الوحيدة التي فهمتِني"، تعتمد على بثّ موجات من الشعور بالذنب، وترسل طائرات مبرمجة على عبارات من نوع:

• "لم أجد أحدًا مثلكِ"،

• "الجميع تغيّر… وأنتِ؟"،

• "ألا تشتاقين؟".

والجواب بسيط: أشتاق؟ نعم، أحيانًا، لكنّ الاشتياق ليس تصريح دخول. والخلاصة إذا كانت نواياكم موسميّة، فأنا حاليًا في فصل صيف داخلي، جاف، حارق، ومنعش بعد شتاء طويل من البلل العاطفي.


سيّدة مجالي الجوي

في زمنٍ بات فيه التواصل مفرطًا، والانفصال لحظيًّا وسهلًا، أصبح من الضروري أن أعلن سيادتي الكاملة على أجوائي الخاصة. لستُ مساحة لهبوط الطائرات العاطفية المنهكة، ولا محطة وقود لمشاعر فارغة تبحث عن ملجأ موقّت، أنا امرأة تملك كامل الحق في إقفال مجالها الجوي. لستُ على استعداد، اليوم، لاستقبال كلّ "اشتقتُ إليكِ فجأة"، ولا كلّ "كنتُ أعلم دومًا من أنتِ"، ولا كلّ رحلة تهبط بلا نيّة واضحة أو وجهة محدّدة. أنا متاحة، لكن ليس دائمًا، هوائي نقي، ومجالي الجوي ملكي ومحميٌّ بإرادتي. وتعظيم سلام ويا سلام على من عرف حدوده، ولم يُحلّق فوق رأسي بمظلّة دراما، وبدون إذن هبوط!



مع صيااح الديك