زياد البيطار

إيران وإدمان الهزيمة المغلّفة بالنصر

4 دقائق للقراءة
من يرفض مواجهة واقعه يُهزم مرّتين: مرّة ميدانيًا ومرّة وجوديًا (رويترز)

تعرّضت إيران خلال "حرب الـ 12 يومًا" مع إسرائيل، لنكسة استراتيجية موجعة، فقد سقط لها عدد كبير من قادة الصف الأول العسكريين والأمنيين والعلماء النوويين، ودمّرت منشآت عسكرية ونووية حسّاسة، فيما شاركت الولايات المتحدة بشكل مباشر بضربها المنشآت النووية الأساسية الثلاث. ومع ذلك، خرج الخطاب الإيراني كعادته، يلوّح براية "الانتصار"، ويحتفي بما يسميه "صمود محور المقاومة". لكن السؤال المشروع هنا هو: أي نصر هذا؟ وأي عقل سياسي يرى في الرماد انتصارًا؟ وفي الدم المسفوك تفوّقًا؟

الإجابة، في الحقيقة، لا تكمن في خرائط الاشتباك، ولا في عدد الصواريخ التي أُطلقت أو التي تم اعتراضها، بل في عمق التحليل النفسي السياسي للخطاب الإيراني القائم على ثلاثة مكونات نفسية: البارانويا، أوهام العظمة والنرجسية السياسية.


من وهم الانتصار إلى السقوط

خلال عرض تحليلي مع معالج نفسي نرى أن الخطاب الإيراني يُعاني منذ سنوات طويلة من بارانويا مزمنة وهي اضطراب نفسي يعرف بشعور دائم بالاضطهاد والارتياب، والاعتقاد أن الآخرين يتآمرون عليك حتى من دون دليل. هذا النمط يتجلّى بوضوح في كلّ سردية رسمية تصدر عن طهران وأذرعها الإعلامية: "إسرائيل تُخفي حجم خسائرها"، "العدو فشل في تحقيق أهدافه"، "السكوت الدولي هو اعتراف ضمني بانتصارنا"، هكذا يُعاد تأويل الهزائم إلى انتصارات، لا لشيء سوى أن العقل السياسي الواقع تحت سيطرة هذا الاضطراب لا يحتمل الاعتراف بالخسارة، فيخترع واقعًا موازيًا يُقدَّم للجمهور على أنه الحقيقة.


لكن الخطر لا يكمن فقط في إسقاط الواقع، بل في ما هو أعمق، أي الاعتقاد المَرَضي بالعظمة الذاتية رغم الانهيار الفعلي، وهي الحالة التي يُعرّفها علم النفس السياسي باسم "أوهام العظمة" (Grandiose Delusions). ففي الوقت الذي تعاني فيه إيران من أزمة اقتصادية خانقة وتفكك اجتماعي داخلي وعزلة إقليمية متفاقمة واهتزاز في تموضعها الاستراتيجي، تصرّ طهران على تقديم نفسها كـ "قوة كونية" و"قائدة لمحور المقاومة العالمي"، وتتعامل مع الخسائر باعتبارها "رسائل نصر". هذا الانفصال عن الواقع لا يخدم سوى استدامة رواية داخلية تُخدّر الرأي العام، وتؤجّل لحظة المحاسبة الوطنية الحقيقية.


أمّا البعد الثالث والأكثر خطورة، فهو ما يعرف بـ "اضطراب الشخصية النرجسية" (Narcissistic Personality Disorder)، وهو اضطراب في بنية الشخصية يتميّز بالشعور المتضخم بالأهمية، والرغبة المفرطة بالإعجاب، مع رفض كامل لأي انتقاد أو مراجعة. وهذا ما يجعل الخطاب الإيراني عاجزًا عن الاعتراف بالخطأ وتقبّل الهزيمة، أو الاستماع لأي صوت معارض. فكل معترض هو "خائن"، وكل ناقد هو "عميل"، وكل انسحاب تكتيكي يُقدَّم كخطة عبقرية. وهنا نصل إلى أخطر نقطة: إدمان الهزيمة المغلّفة بالنصر، والعيش في وهم بطولي دائم لا صلة له بما يجري على الأرض.


الهروب من الواقع

إن ما يقوم به الإعلام الموالي للمحور الإيراني ليس إلّا محاولة دائمة لإنعاش صورة مُنهارة عبر الضخ العاطفي والتلاعب الرمزي والهروب من الحقائق. قد تنجح هذه الأساليب مرحليًا في خلق شعور جماهيري بالتماسك، لكنها تفشل حتمًا في بناء مشروع سياسي صلب. فالدول لا تُبنى على خطاب الارتياب، ولا تقاد بسياسات مشبّعة بالوهم، ولا تُحمى بشخصيات ترفض أن تنظر في المرآة.


الواقع لا ينتصر بالبيانات ولا بالمؤتمرات الصحافية، بل بالحقائق. ومن يرفض مواجهة واقعه، يُهزم مرّتين: مرّة ميدانيًا، ومرّة وجوديًا. من يرى في الدمار نصرًا، سيبني وطنًا على أنقاض الكذبة، والمجتمع الذي يُحقن بالأوهام، سيصحو يومًا ليرى نفسه بلا اقتصاد وبلا حلفاء وبلا إنجازات… سوى "نصر" لم ولا ولن يعترف به أحد.